قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الأوقاف: الحث على اغتنام شهر مولد النبي موضوع خطبة الجمعة المقبلة

خطبة الجمعة
خطبة الجمعة

حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة ٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ الموافق ٢١ أغسطس ٢٠٢٦م بعنوان: «وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ» الهدف المراد توصيله:《الحث على اغتنام شهر مولد النبي صلى الله عليه وسلّم بتجديد محبته، وتعظيم قدره، واستحضار سيرته وهديه، وتحويل هذه المحبة إلى اقتداءٍ بأخلاقه ورسالته، ونشرها رحمةً وخيرًا للناس أجمعين》

خصوصية شهر ربيع الأول

جعل الله شهر ربيع سجلا حافلا بأحداث خاصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيه المولد، وفيه البعثة، وفيه الهجرة، وفيه مفتتح الوحي (الرؤيا الصادقة) وفيه الوفاة، قَالَ ابن الحاج: فإن قيل: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام خُصَّ مولدُه الكريم بشهر ربيع الأول ويوم الاثنين ولم يكن في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر، ولا في الأشهر الحرم ولا في ليلة النصف من شعبان ولا في يوم الجمعة وليلتها؟ فالجواب من أربعة أوجه:

الأول: ما ورد في الحديث من أن الله خلق الشجر يوم الاثنين، وفي ذلك تنبيه عظيم، وهو أن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات التي يتغذى بها بنو آدم ويحيون ويتداوون وتنشرح صدورهم لرؤيتها.

الثاني: أنَّ في لفظة ربيع إشارة وتفاؤلا حسنا بالنسبة إلى اشتقاقه، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب.

الثالث: أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها، وشريعته أعدل الشرائع وأسمحها.

الرابع: أن الحكيم سبحانه أراد أن يشرف به الزمان الذي ولد فيه، فلو ولد في الأوقات المتقدم ذكرها لكان قد يتوهم أنه يتشرف بها [الحاوي للفتاوي نقلا عن المدخل].

وقال أيضًا: "فإن قال قائل: فهذا الشهر لم نجد فيه زيادة في الأعمال كما نجد في غيره من الشهور والليالي والأيام الفاضلة.

فالجواب: أن تلك الأزمنة حصلت لها الفضيلة بزيادة الأعمال الفاضلة فيها، وهذا الشهر حصل له التشريف بظهور من جاءت الأعمال والخيرات التي حصلت بها الفضيلة لتلك الأوقات على يديه وبسببه صلى الله عليه وسلم هذا وجه ظاهر بين لا يرتاب فيه" [المدخل].

وأنشد ابن السماط:

أَعَلِمْت أَنَّك يَا رَبِيعَ الْأَوَّلِ * * * تَاجٌ عَلَى هَامِ الزَّمَانِ مُكَلَّلُ

مُسْتَعْذَبُ الْإِلْمَامِ مُرْتَقَبُ اللِّقَا * * * كُلُّ الْفَضَائِلِ حِينَ تُقْبِلُ تُقْبِلُ

مَا عُدْت إلَّا كُنْت عِيدًا ثَالِثًا * * * بَلْ أَنْتَ أَحْلَى فِي الْعُيُونِ وَأَجْمَلُ

شَرَفًا بِمَوْلِدِ مُصْطَفًى لَمَّا * * * بَدَا أَخْفَى الْأَهِلَّةَ وَجْهُهُ الْمُتَهَلِّلُ

فَضْلُ الشُّهُورِ عَلَا فَفَاخَرَهَا فَإِنْ * * * فَخَرْت بِأَطْوَلِهَا فَأَنْتَ الْأَطْوَلُ

لِمَ لَا وَعَشْرُك وَاثْنَتَاك أَرَيْنَنَا * * * قَمَرًا بِهِ شَمْسُ الضُّحَى لَا تُعْدَلُ

وَمِنْ الْعَجَائِبِ أَنَّ بَدْرًا يَسْتَوِي * * * لِتَمَامِ عَشْرٍ وَاثْنَتَيْنِ وَيَكْمُلُ

وَيَفُوقُ أَقْمَارَ السَّمَاءِ لِأَنَّهَا * * * لِلنَّقْصِ مِنْ بَعْدِ الزِّيَادَةِ تُنْقَلُ

[المدخل]

ميلاده نور ورحمة
كان ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ثمرة اصطفاء إلهي ممتد، شاءت به الحكمة الربانية أن يخرج إلى الوجود أطهر الخلق نسبًا، وأزكاهم أصلًا، وأعظمهم قدرًا، حاملًا إلى البشرية نور الهداية، ورسالة الرحمة، ومنهجًا يعيد للإنسان فطرته السوية، وللحياة ميزانها القائم على الحق والعدل والإحسان.

فقد شاء الله تعالى منذ الأزل أن يصطفي نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، فاختار له من الآباء والأجداد خيرَهم، ومن البطون أكرمها، فوُلد من أبوين كريمين، في نسب طاهر محفوظ من أدران الجاهلية، وفي ذلك إشعار بمكانة هذا النبي المصطفى، ورفعة منزلته، وعناية الله تعالى به قبل أن تشرق شمس مولده على الدنيا.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِی ٱلسَّٰجِدِینَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]، أنه قال: «ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه» [دلائل النبوة للأصبهاني]، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ لَمْ يُصِبْنِي سِفَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه].

وهذا المعنى تؤكده جملة من الأحاديث الصحيحة التي تبين عناية الله تعالى باصطفائه صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ، قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ القَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» [رواه البخاري]، وقال صلى الله عليه وسلم مبينًا تدرج الاصطفاء في نسبه الشريف: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [رواه مسلم].

اجتمع في ميلاده الشريف نور النسب ونور الرسالة؛ نورٌ مادي تمثل في طيب الأصل وشرف المنبت، ونورٌ معنوي هو نور النبوة والهداية والرحمة، وما كان ذلك الاصطفاء إلا تمهيدًا للرسالة العظمى التي أشرقت بها الدنيا، قال تعالى: ﴿قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورࣱ وَكِتَٰبࣱ مُّبِینࣱ﴾ [المائدة: ١٥] ، وقال سبحانه في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

مولد النبي صلى الله عليه وسلم آيات وبشائر
كان مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم فجرًا جديدًا أطلَّ على الدنيا، وأشرقت معه بشائر النبوة، وتوالت الآيات التي تحمل إلى القلوب معنى العناية الإلهية بهذا النبي الكريم، وتكشف عن عظيم شأنه ورفيع منزلته، فقد سبقت مولدَه الشريف بشاراتُ الأنبياء، وأحاطت به أنوارٌ وإشراقاتٌ تُنبئ عن الرسالة العظمى التي سيحملها إلى العالمين.

فعَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَبِي مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي آمِنَةَ الَّتِي رَأَتْ وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ، وَأَنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ لَهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهَا قُصُورُ الشَّامِ» [رواه أحمد]

فلم يكن النور الذي رأته آمنة رضي الله عنها إلا بشارةً بميلاد من سيحمل إلى البشرية نور الوحي والهداية، ويخرج بها من ظلمات الشرك والجهل إلى رحاب التوحيد والإيمان، وكأن الآفاق يومئذٍ كانت تستقبل ضيفًا كريمًا، وتتهيأ لاستقبال الرسالة التي ستبدل وجه التاريخ.

ورافقت هذه البشائر طفولته المباركة، فقد روت حليمة السعدية رضي الله عنها ما كان من شأنه حين وقع حادث شق صدره الشريف، ففزعت عليه، وعادت إلى أمه آمنة رضي الله عنها، وكان جوابها يحمل يقينًا عميقًا بأن لهذا الغلام شأنًا عظيمًا.

فقالت آمنة رضي الله عنها: «كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنًا، أَلَا أُخْبِرُكُمَا عَنْهُ؟ إِنِّي حَمَلْتُ بِهِ، فَلَمْ أَحْمِلْ حَمْلًا قَطُّ، كَانَ أَخَفَّ عَلَيَّ، وَلَا أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ نُورًا كَأَنَّهُ شِهَابٌ خَرَجَ مِنِّي حِينَ وَضَعْتُهُ، أَضَاءَتْ لَهُ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى...» [رواه ابن حبان في صحيحه].

ولم تقتصر البشائر المصاحبة لمولد النبي صلى الله عليه وسلم على ما رآه أهل بيته من الأنوار، بل تذكر كتب السيرة والدلائل جملةً من الأحداث العجيبة التي عُدَّت من إرهاصات مولده الشريف، وإشاراتٍ سبقت بعثته، وكأن صفحات الكون كانت تتهيأ لاستقبال عهد جديد تُشرق فيه أنوار التوحيد والنبوة، فقد أورد الإمام البيهقي جملةً من هذه الأخبار، فقال في وصف ما رُوي من إرهاصات مولده صلى الله عليه وسلم: «خمود نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وسقوط شرفات إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان، وانتكاس الأصنام المعبودة وخرورها لوجوهها من غير دافع لها عن أمكنتها، وسائر ما روي في الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعث نبيًّا» [دلائل النبوة للبيهقي].

الفرح بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم
إن القرآن الكريم يأمرنا بالفرح وإظهاره، قال تعالى: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].

فرسولنا صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة للعالمين، وقد ورد عن حبر الأُمة وترجمان القرآن سيدنا ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: "فَضْلُ اللَّهِ: الْقُرْآن، وَرَحْمَته: رسول الله صلى الله عليه وسلم" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن].

فالفرح به مطلوب في كل وقت وفي كل نعمة، وعند كل فضل، ولكنه يتأكد كل يوم اثنين، وفي كل عام في شهر ربيع الأول؛ لقوة المناسبة، وحصول تمام المنة والفضل.

وَقَالَ الْحَافِظُ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى "مَوْرِدُ الصَّادِي فِي مَوْلِدِ الْهَادِي": قَدْ صَحَّ أَنَّ أبا لهب يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذَابُ النَّارِ فِي مِثْلِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ لِإِعْتَاقِهِ ثويبة سُرُورًا بِمِيلَادِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَنْشَدَ:

إِذَا كَانَ هَذَا كَافِرًا جَاءَ ذَمُّهُ * * * وَتَبَّتْ يَدَاهُ فِي الْجَحِيمِ مُخَلَّدَا

أَتَى أَنَّهُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ دَائِمًا * * * يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلسُّرُورِ بِأَحْمَدَا

فَمَا الظَّنُّ بِالْعَبْدِ الَّذِي طُولَ عُمْرِهِ * * * بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مُوَحِّدَا

[الحاوي للفتاوي للسيوطي].

﴿وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِۚ﴾ [إبراهيم: ٥]، ومن أيام الله عز وجل على أهل الأرض مولده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي رفع الله به عن البشرية الجهل، والظلام، والضلالة ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذۡ بَعَثَ فِیهِمۡ رَسُولࣰا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].

قال شيخ الإسلام ابن حجر: "فيستفاد من فعل ذلك شكرًا لله تعالى على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبي الرحمة في ذلك اليوم؟ وعلى هذا فينبغي أن يتحرّى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء" [حسن المقصد في عمل المولد للسيوطي].

سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة جنس الشُكرِ لله على مِيلاده، فقد صح أنه كان يَصوم يوم الإثنينِ؛ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ- أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ-» [رواه مسلم].

قال المباركفوري: "وفي الحديث دلالة على أن الزمان قد يتشرف بما يقع فيه وكذا المكان، وعلى أنه يستحب صوم يوم الاثنين، وأنه ينبغي تعظيم اليوم الذي أحدث الله فيه على عبده نعمة بصومه، والتقرب فيه" [مرعاة المفاتيح].

وقال الشيخ أبو موسى الزّرهونيّ: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فذكرت له ما يقوله الفقهاء في عمل الولائم في المولد فقال صلى الله عليه وسلم: «من فرح بنا فرحنا به» [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد].

ولا شك أن الفرح الحقيقي بمولد سيدنا رسول الله ﷺ أن نظهر الفرح والشوق والحنين إليه صلى الله عليه وسلم، وأن تتحول سيرته إلى منهج حياة، وأن يكون الاحتفاء به احتفاءً برسالته، والعمل بسنته، والاقتداء بهديه، حتى نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ﴾ [الأحزاب: ٢١].

محبة النبي صلى الله عليه وسلم
إن الحب الحقيقي لسيدنا المصطفى عليه السلام له صور عديدة، منها: إظهار الشوق والحنين إليه، وتمني رؤيته، واللهج بذكره وبمدحه بين العالمين، فمن علامة صدق المحب أن يكثر من ذكر محبوبه، ولما نزل قول الله تعالى: ﴿وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰۤئِكَ مَعَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّۦنَ وَٱلصِّدِّیقِینَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ وَٱلصَّٰلِحِینَۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰۤئِكَ رَفِیقࣰا﴾ [النساء: ٦٩]، قالوا: نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ، قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَنَحِلَ جِسْمُهُ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «يَا ثَوْبَانُ مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مِنْ ضُرٍّ وَلَا وَجَعٍ غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ، وَاسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ، وَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ هُنَاكَ، لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي وإن دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا أَرَكَ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ"[أسباب النزول للنيسابوري].

وجعل سبحانه وتعالى سبب العطاء محض الفضل الإلهي لقلب محب صادق حيث قال بعدها: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِیمࣰا﴾ [النساء: ٧٠]، أي: إنما كان ذلك لا لشدة عبودية ولا لكثرة عمل، وإنما رحمة من الله تعالى بقلب محب صادق في محبته.

وقد أظهر الصحابة صورًا من المحبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعلنا نتصاغر أمام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ سيدنا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ لِلْعَبَّاسِ رضي الله عنه: إنْ تُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ الْخَطَّابُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وَعَنِ ابن إِسْحَاق أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قُتِلَ أبُوها وأخُوها وَزَوْجُهَا يوم أحُدٍ مَعَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قَالُوا خَيْرًا هُوَ بِحَمْدِ اللَّه كَمَا تُحِبّينَ قَالَتْ: أَرونيه حَتَّى أنْظُرَ إليْهِ، فَلَمّا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ.

وَسُئِلَ سيدنا عَلِيّ بن أَبِي طَالِب رضي الله عنه كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِرَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: كَانَ والله أَحَبَّ إِلَيْنَا من أَمْوَالِنَا وَأَوْلادِنَا وَآبَائِنَا وأُمَّهَاتِنَا وَمِنَ المَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَأ..".

وَرُويَ أَنَّ عَبْد اللَّه بن عُمَرَ خَدِرَتْ رجْلُهُ فَقِيلَ لَهُ اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَزُلْ عَنْكَ فَصَاحَ يَا مُحَمَّدَاهُ فانْتَشَرَتْ [الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض].

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَقُومُوا لَهُ إذَا مَرَّ بِهِمْ فَمَرَّ يَوْمًا بِحَسَّانَ رضي الله عنه فَقَامَ وَأَنْشَدَ:

قِيَامِي لِلْعَزِيزِ عَلَيَّ فَرْضٌ * * * وَتَرْكُ الْفَرْضِ مَا هُوَ مُسْتَقِيمُ

عَجِبْت لِمَنْ لَهُ عَقْلٌ وَفَهْمٌ * * * يَرَى هَذَا الْجَمَالَ وَلَا يَقُومُ

مدح النبي صلى الله عليه وسلم والمبالغة في مدحه علامة من علامات المحبة.
لا شك أن مدح النبي صلى الله عليه وسلم مشروع بعموم أدلة القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿لِّتُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ﴾ [الفتح: ٩]، ومدحه صلى الله عليه وآله وسلم من مظاهر تعظيمه وحبه.

قال القاضي عياض: "اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا في حبه، وكان مدعيا.

فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم مَن تظهر علامة ذلك عليه... ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم كثرة ذكره له.. فمن أحب شيئا أكثر من ذكره..." [الشفا بتعريف حقوق المصطفى].

وعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ مَدَحْتُ اللَّهَ بِمَدْحَةٍ، وَمَدَحْتُكَ بِأُخْرَى، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَاتِ، وَابْدَأْ بِمَدْحَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [مسند أحمد].

ومن الدعاوى المغلوطة أن المبالغة في مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام، وهذا غير صحيح، فإن العلماء مقرُّون بأن المبالغة ليس لها إلا صورة واحدة، وهي أن ترفعه إلى وصف لا يليق به كأن تصفه بالألوهية أو التصرف المطلق بغير إذن الله تعالى، ودليله ما جاء عَنْ سيدنا عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» [رواه أحمد في مسنده].

قال المُلَّا علي القاري: "هذا وقوله: «إنما أنا عبد الله»...لا ينافي أن له أوصافًا من الكمال غير العبودية والرسالة، منها: أنه سيد ولد آدم والله أعلم... ولقد أحسن من قال من أرباب الحال:

مَا إِنْ مَدَحْتُ مُحَمَّدًا بِمَدِيحَتِي * * * بَلْ إِنْ مَدَحْتُ مَدِيحَتِي بِمُحَمَّدٍ

أقول: ويكفي في مدحه صلى الله عليه وسلم إجمالًا: أنه صلى الله عليه وسلم محمد يحمده الأولون والآخرون، وأنه أحمد من حَمِد، وأحمد من حُمِد، وله المقام المحمود واللواء الممدود والحوض المورود، والشفاعة العظمى في يوم مشهود.

آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ * * * فَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ حَمْدِهِ وَثَنَائِهِ"

[جمع الوسائل في شرح الشمائل للملا علي القاري].

فما اختص الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم خارج عن الحصر، وربما يتوهم بعض الناس أن ذلك مبالغة، ولكن أهل العلم قالوا: إن كل ما أعطاه الله تعالى لرسوله لا يمكن أن يكون التحديث به وذكره والتفاخر به مبالغة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا، فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ، وَلاَ رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» [صحيح البخاري].

فلربما ظن بعض الناس أن ذلك مبالغة، ولكن في الحقيقة إنما أطلع الله تعالى رسوله على ذلك تكريمًا له، فلم ينسبها إلى نفسه بل قالها على جهة الاعتراف بنعمة الله تعالى عليه.

ولذا كانوا يرون أن المبالغة في مدحه تقصير في حقه، إذ لا مبالغة على الحقيقة في مدحه، بل تتقاصر النيات، وتغيب الألفاظ أن تعبر عن شيء من محاسنه وفضائله، ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفا فلقد كفى وشفى بقوله:

إمام الهدى الراقى إلى ذروة العلا * * * إلى رتبة عنها الثوابت تقعد

وما شئت قل فيه فأنت مصدق * * * فالحب يقضى والمحاسن تشهد

وقال الإمام بدر الدين الزركشى: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين- كأبى تمام والبحتري وابن الرومي مدحه صلى الله عليه وسلم، وكان مدحه عندهم من أصعب ما يحاولونه، فإن المعاني دون مرتبته، والأوصاف دون وصفه، وكل غلو في حقه تقصير، فيضيق على البليغ بحال النظم، وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلو بالنسبة إلى من قرضت له وجدتها صادقة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كأن الشعراء على صفاته كانوا يعتمدون وإلى أمداحه كانوا يقصدون" [المواهب اللدنية].

وقال الشيخ إبراهيم الباجوري: "إن كمالاتِه صلى الله عليه وآله وسلم لا تُحْصَى، وشمائله لا تُسْتَقصى، فالمادحون لجنابه العليّ، والواصفون لكماله الجلي، مُقصِّرون عمَّا هنالك، قاصرون عن أداء ذلك، كيف وقد وصفه الله في كتبه بما يبهر العقول، ولا يُسْتَطاع إليه الوصول، فلو بالغ الأوَّلون والآخرون في إحصاء مناقبه، لعجزوا عن ضبط ما حباه مولاه من مواهبه" [مقدمة "شرحه للبردة"].

وتفنن السلف في مدحه والثناء على مقامه الشريف، وفي هذا المعنى يقول سيدنا العبّاس بن عبد المطلب في أبياته المشهورة السائرة:

وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض * * * وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضّياء وفي النّور * * * وسبل الرّشاد نخترق

[المستدرك].

وعَن سيدنا ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعُبَيْدَةَ: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ، فَقَالَ: "لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" [رواه البخاري في صحيحه].

ويعلق الحافظ الذهبي قائلًا: "فوالهفي على تقبيل شعرة منها" [سير أعلام النبلاء].

الاحتفال بمولده الشريف وأثره المجتمعي
لقد اعتبر المسلمون أن ذكرى المولد الشريف تمثل حدثًا مجتمعيًّا راقيًا، ففيه يجتمع الناس من كل بلد، فيحدث التعارف، وفيه يجود الأغنياء على الفقراء بالأطعمة والنفقات، وفي أيام مولده يتذاكر الناس هديه وسنته أكثر مما سبق، فيتعلق الخلق بمحبته وشمائله، ولقد أثنى الإمام الكبير أبو شامة شيخ النووي - في رسالة له سماها "الباعث على إنكار البدع والحوادث" - مزيد الثناء على الملك المظفر صاحب إربل، المتوفى سنة ٦٣٠ هـ بما كان يفعله من الخيرات في هذه الليالي الشريفة، مما لم يحك بعضه عن غيره، حيث كان يجمع الناس ويدعو العلماء وينشدون الأشعار ويذبح آلاف الإبل والبقر والغنم ويطعم الناس أيامًا.

وقد أثنى عليه ابن كثير والذهبي وغيرهما ووصفاه بأنه كان حاكمًا سنيًّا، يحب الفقهاء والمحدثين، ويعطي على الشعر، وما نُقل عنه أنه انهزم مرة في معاركه.

وسئل المحقق الولي أبو زرعة العراقي المتوفى سنة ٨٢٦هـ، عن حكم الاحتفال بالمولد؟ فأجاب بقوله: "الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت، فكيف إذا انضم لذلك السرور بظهور نور النبوة في هذا الشهر الشريف، ولا نعلم ذلك عن السلف، ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروهًا، فكم من بدعة مستحبة، بل واجبة إذا لم ينضم لذلك مفسدة" [الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك].

وقال الشيخ الإمام العلامة "نصير الدين المبارك" الشهير بابن الطبَّاخ في "فتوى بخطه": "إذا أنفق المنفق تلك الليلة، وجمع جمعًا أطعمهم ما يجوز إطعامه، وأسمعهم ما يجوز سماعه، ودفع للمسمع المشوِّق للآخرة ملبوسًا، كل ذلك سرورًا بمولده صلى الله عليه وسلم فجميع ذلك جائز ويثاب فاعله؛ إذ أحسن القصد، ولا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء إلا أن يقصد مواساة الأحوج فالفقراء أكثر ثوابًا".

وقال الإمام العلامة ظهير الدين جعفر التزمنتي: "هي بدعة حسنة إذا قصد فاعلها جمع الصالحين، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام للفقراء والمساكين، وهذا القدر يثاب عليه بهذا الشرط في كل وقت" [سبل الهدى والرشاد].

فتحول الاحتفال بالمولد إلى إحياء جملة من الطاعات: كجمع الناس على الطاعة، وإحياء التعارف بينهم، وإطعام الطعام، وخاصة للفقراء، وذكر شمائله وفضائله وتذكير الناس بسنته وطاعته، فلا ينكر هذه الصورة إلا مخذول أو محروم.

وفي شهر مولده.. علموا أولادكم سيرته وأخلاقه الشريفة
إن ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم تجدد النية والعزم لمزيد من التعرف على جنابه الشريف، وتعليم ذلك لأولادنا وأجيالنا، وقد قَالَ الإمام ابن حزم: "سيرة سيدنا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة وتشهد له بأنَّهُ رَسُولِ اللهُ صلى الله عليه وسلم حقًّا فلو لم تكن له معجزة غير سيرته صلى الله عليه وسلم لكفى" [إمتاع الأسماع للمقريزي].

وعَنْ عَبْد اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبيه، قال: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ الحُسَيْنِ يَقُولُ: "كُنَّا نُعَلَّمُ مَغَازِي النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَمَا نُعَلَّمُ السّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، قالَ الوَاقِديُّ: وسَمِعتُ مُحمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمِّي الزّهْرِيَّ يَقُولُ في عِلْمِ المَغَازِي: عِلْمُ الآخِرَةِ والدُّنيا» [المستخرج من كتب الناس للتذكرة لابن منده].

وقَالَ الإِمَامُ ابْنُ الجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وأصْلُ الأُصُولِ العِلْمُ، وأنْفَعُ العُلُومِ النَّظَرُ في سِيَرِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابِهِ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: ٩٠]" [صيد الخاطر لابن الجوزي].

طريقة الاحتفال بالمولد الشريف والمظهر الجمالي
دَرَجَ السلف الصالح منذ القرنين الرابع والخامس الهجريين على إحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن، والأذكار، وإنشاد المدائح في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما نَصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من المؤرخين كابن الجوزي، وابن كثير، والحافظ ابن دِحية الأندلسي، والحافظ العراقي، والسخاوي، والمناوي، والحافظ ابن حجر، وجلال الدين السيوطي، وابن حجر الهيتمي، والشيخ بخيت المطيعي، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور التونسي المالكي وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.

ونَصَّ جماهيرُ العلماء سلفًا وخلفًا على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، بل ألَّف في استحباب ذلك جماعة من العلماء والفقهاء، وبَيَّنُوا بالأدلة الصحيحة استحبابَ هذا الصنيع؛ بحيث لا يبقى لمَن له عقل سليم إنكارُ ما سلكه هؤلاء الأخيار العدول، وهو ما جرى عليه عمل أهل الأمصار، وكتبوا كتبًا بعنوان: "المولد" وغرضه الأسمى جمع الناس في يوم مولده وقراءة الكتاب عليهم وإجازتهم.

وقد حصر الشيخ: محمد عبد الحي الكتاني جملة كبيرة من المؤلفات في المولد الشريف، وأودعها في مؤلفه المسمى: "التآليف المولدية"، حشد فيه عشرات الكتب لكبار حفاظ الإسلام وأعلامه، ويمكن أن يستدرك عليه بمثل ما ذكره.

وهذا إن دل فإنما يدل على مشروعية الاحتفال بهذا اليوم؛ نظرًا لعظمه، وظهور النعمة المهداة للعالمين فيه، فكان جديرًا بكل محب أن يحتفي ويحتفل بميلاد النور والرحمة صلى الله عليه وسلم.

إن أجمل ما يمكن أن يُقدَّم في هذه المناسبة هو أن نستحضر النموذج الذي رسمه الأئمة لعمل المولد: اجتماعٌ على القرآن، وتذكيرٌ بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعامُ الطعام، والتعارف والتآخي، والمودة والتحابب.

ومن أجمل ما نستطيع أن نحوِّل به هذه المناسبة إلى صلةٍ حقيقية بالنبي صلى الله عليه وسلم:

الإكثار من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰۤئِكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
عقدُ مجالس لتدارس السيرة النبوية والهدي المحمدي في المساجد والبيوت، كي يتعلم من خلالها الصغار قبل الكبار كيف كان خُلُقه صلى الله عليه وسلم في بيته ومع جيرانه وأصحابه.
إحياء سنة إطعام الطعام والتصدق على الفقراء والمساكين في هذه المناسبة، اقتداءً بما ذكره أهل العلم في أصل عمل المولد.
الحرصُ على تخلُّق المحتفلين بأخلاقه صلى الله عليه وسلم من الرحمة والعفو والتواضع، فتكون سلوكيات الناس في هذه المناسبة أبلغ مدحٍ وأصدق دعوة.
فإذا استحضرنا هذا المعنى، كان احتفاؤنا بمولده صلى الله عليه وسلم جمالًا في المظهر، وصدقًا في المخبر، وتجديدًا حقيقيًّا لصلتنا بسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، لا مجرد عادةٍ موسمية تمر مرور الأيام.

ما أحوجنا في هذه المناسبة العطرة إلى إحياء القيم النبوية في نفوس أبنائنا، وبناتنا، وكيف كان يتعامل صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته، وأصحابه، وجيرانه، ونطبق مواقفه مع الأطفال، والشباب، والشيوخ، ومع غير المسلمين بل حتى مع الجماد والحيوان؛ وقد سئلَتِ السيدةُ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَتْ: "لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَلاَ صَخَّابًا في الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ" [رواه الترمذي في "سننه"].

وبهذا نحيا حياة كريمة في دنيانا، ونرتقي ونتقدم، ونفوز بجنة عرضها كعرض السماء والأرض يوم القيامة، ونكون حقا من أهل الاقتداء والتأسي بحضرته الشريفة، ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٢١].

قال العلامة محمد بن صالح الشامي: "تعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه، والصدقات إلى غير ذلك من القربات، فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما يحرِّم عليه، ويكره له تعظيمًا لهذا الشهر الشريف، وإن كان ذلك مطلوبًا في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر احترامًا، كما يتأكّد في شهر رمضان وفي الأشهر الحرم فيترك ما لا ينبغي" [سبل الهدى والرشاد].

لنتذكر في ذكرى المولد أنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرآناً يمشي على الأرض، وكانت سيرته تطبيقًا عمليًّا لما جاء في كتاب الله قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: ٤]، فهو فاق كل الأخلاق والفضائل حتى صار مضرب الأمثال، فأصبح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستعليًا عليها، متصفًا بها ظاهرًا وباطنًا، قائمًا وقاعدًا، مع أحبابه وأعدائه.

وأخيرًا.. كن في المحبة مثل هؤلاء
فعن سيدنا أنس بن مالك: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا» قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلاَةٍ وَلاَ صَوْمٍ وَلاَ صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» [متفق عليه].

وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا، نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ» [رواه مسلم].

فاللهم خلقنا بأخلاقه، وأدبنا بآدابه، وارزقنا شفاعته، واحشرنا في زمرته، واجعل شهر مولده أيام خير وبركة علينا وعلى مصرنا الحبية وعلى أمتنا العربية والإسلامية، وعلى الدنيا كلها، آمــــــين.