قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

فرج فودة.. مفكر حذّر من الرصاصة قبل أن تسكته للأبد

فرج فودة
فرج فودة

في كل مرة يعود فيها اسم فرج فودة إلى الواجهة، لا يعود باعتباره مجرد كاتب اغتيل قبل أكثر من ثلاثة عقود، وإنما باعتباره واحدًا من أكثر الأصوات الفكرية إثارة للجدل في مصر الحديثة؛ رجل اختار أن يخوض معاركه في العلن، وأن يضع أفكاره في مواجهة أفكار خصومه، وأن يدافع عن الدولة المدنية في وقت كان فيه الخطاب الديني والسياسي يزداد احتدامًا، حتى انتهت المواجهة من قاعة المناظرة إلى رصاصة أنهت حياته، لكنها لم تنهِ الأسئلة التي طرحها.


في 20 أغسطس 1945، وُلد فرج فودة بمدينة الزرقا في محافظة دمياط، وفي سنواته الأخيرة أصبح واحدًا من أبرز الكتاب الذين خاضوا معارك فكرية ضد تيارات الإسلام السياسي، وكتب في صحف ومجلات مصرية من بينها «الأحرار» و«أكتوبر»، تاركًا وراءه مؤلفات تحولت إلى جزء من سجال فكري ممتد حول الدولة والدين والمواطنة والشريعة والعلمانية.


لم يكن فودة يرى أن مواجهة التيارات المتشددة يمكن أن تتم أمنيًا فقط، خاصة مع تصاعد أحداث العنف الطائفي خلال ثمانينيات القرن الماضي، والتي شهدت اعتداءات على الأقباط ومنشآت ومحال في عدد من المناطق، وصولًا إلى سيطرة الجماعات الإسلامية على أجزاء من إمبابة عام 1988، وما صاحب ذلك من ممارسات إرهابية وتوترات طائفية.


وفي كتابه «الإرهاب» الصادر عام 1988، حاول فودة تحليل أسباب تنامي العنف، معتبرًا أن المواجهة الأمنية وحدها لا تستطيع اقتلاع الظاهرة من جذورها، وطرح في المقابل رؤية تقوم على توسيع المجال الديمقراطي، وسيادة القانون، ووجود إعلام واضح في دفاعه عن أسس الدولة المدنية، لكن معركته الأكبر لم تكن في الكتب وحدها، وإنما انتقلت إلى المناظرات العلنية، حيث واجه أبرز الأسماء المنتمية إلى التيار الإسلامي في ذلك الوقت.


في 7 يناير 1992، شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب واحدة من أشهر المناظرات الفكرية في تاريخ مصر، تحت عنوان «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية»، وقف فرج فودة إلى جانب الدكتور محمد أحمد خلف الله مدافعًا عن الدولة المدنية، بينما شارك في الجانب الآخر الشيخ محمد الغزالي، ومأمون الهضيبي مرشد جماعة الإخوان المسلمين، والدكتور محمد عمارة، وحضر المناظرة نحو 20 ألف شخص.


وبعدها بعشرين يومًا، تكرر النقاش في نادي نقابة المهندسين بالإسكندرية، بمشاركة فودة والدكتور فؤاد زكريا في مواجهة الدكتور محمد عمارة والدكتور محمد سليم العوا، وسط حضور قُدّر بنحو 4 آلاف شخص، كانت المناظرتان بمثابة إعلان واضح عن طبيعة المعركة التي اختار فودة خوضها: لا سلاح فيها سوى الأفكار، ولا حسم لها إلا بالحجة، لكن خارج قاعات المناظرات، كان شيء آخر يتشكل.


تصاعدت الحملات ضده، ووصل الأمر إلى اتهامه بالردة بسبب مواقفه من تطبيق الشريعة والدولة الدينية، وفي سياق القضية التي انتهت باغتياله، استند المتهمون إلى أقوال وشهادات دينية اعتبروها مبررًا لما فعلوه.

اغتيل فرج فودة أمام مكتبه في القاهرة على يد عناصر من الجماعة الإسلامية، لتنتهي حياة الكاتب والمفكر عن عمر 46 عامًا، بعد سنوات من الجدل والمعارك الفكرية التي جعلته واحدًا من أكثر المثقفين المصريين تعرضًا للهجوم والتهديد، لكن المفارقة أن فودة نفسه كان قد أدرك مبكرًا حجم الخطر الذي يحيط بالمثقفين وأصحاب الرأي.


في أحد لقاءاته التليفزيونية، تحدث عن الرصاصات التي اغتالت الرئيس الراحل أنور السادات، معتبرًا أنها لم تستهدف السادات وحده، وإنما أصابت أيضًا كتاب ومثقفي مصر، في قراءة للمناخ الذي أصبحت فيه حرية الفكر والتعبير مهددة، ولم يكن كتابه «النذير» الصادر عام 1989 أقل إثارة للجدل.

ففيه تناول تطور التيارات الإسلامية خلال الفترة من 1982 إلى 1987، ورأى أن التيار المتشدد لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، وإنما أصبح يمتلك نفوذًا واسعًا في المجتمع، وطرح رؤيته بشأن العلاقة بين ما كان يوصف وقتها بالتيارات المعتدلة والمتشددة داخل الإسلام السياسي.


ومع مرور السنوات، عاد كثيرون إلى بعض كتاباته باعتبارها قراءات مبكرة لصعود تيارات الإسلام السياسي، وتحذيرات من استخدام الدين كأداة للوصول إلى السلطة، خاصة مع ما شهدته المنطقة لاحقًا من صعود جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة رفعت شعارات دينية، وإن كان إسقاط تحليلات فودة مباشرة على تنظيمات ظهرت بعد عقود يحتاج إلى حذر في المقارنة.


ولم تكن «النذير» و«الإرهاب» وحدهما ضمن مشروعه الفكري، فقد ترك فودة عددًا من الكتب، بينها «الحقيقة الغائبة»، و«قبل السقوط»، و«الملعوب»، و«الطائفية إلى أين؟» بالاشتراك مع يونان لبيب رزق وخليل عبد الكريم، و«حوار حول العلمانية»، إلى جانب «زواج المتعة»، و«حوارات حول الشريعة»، و«نكون أو لا نكون»، و«الوفد والمستقبل»، و«حتى لا يكون كلامًا في الهواء».


فبعد أسابيع من اغتياله، صدر كتاب «من قتل فرج فودة؟» للدكتور عبد الغفار عزيز، وانتهى مؤلفه إلى تحميل فودة نفسه جانبًا من مسؤولية ما حدث له، وهي رؤية أثارت انتقادات واسعة، ودفع الكاتب علي سالم إلى التعليق عليها خلال حفل تأبين فودة الذي أقامته الجمعية المصرية لحقوق الإنسان بنقابة الصحفيين في نوفمبر 1992.


أما قضية الاغتيال نفسها، فقد انتهت قضائيًا إلى إعدام عبد الشافي رمضان وتنفيذ الحكم، والحكم بالسجن على محمد أبو العلا لتوفيره السلاح، بينما برأت المحكمة آخرين، قبل أن تتوالى لاحقًا عمليات الإفراج عن عدد من المتهمين على مدار سنوات.


وفي عام 2013، صدر عفو رئاسي عن أبو العلا عبد ربه، أحد المتهمين في القضية، والذي أعلن في مقابلات إعلامية بعد خروجه عدم ندمه على قتل فرج فودة، متمسكًا بتبريره للجريمة.


وبينما مرت السنوات، بقيت قضية فرج فودة حاضرة في الذاكرة الثقافية المصرية، لا باعتبارها جريمة اغتيال فقط، وإنما باعتبارها نموذجًا صادمًا لما يمكن أن يحدث عندما يتحول الاختلاف الفكري إلى تكفير، ويتحول التكفير إلى تحريض، ثم يتحول التحريض إلى عنف.


في ذكرى ميلاده، لا تبدو استعادة فرج فودة مجرد احتفاء بذكرى كاتب أو مفكر، وإنما استعادة لمعركة كاملة حول حدود الاختلاف، وموقع الدين في الدولة، وحق الإنسان في أن يطرح أفكاره ويناقشها دون أن يتحول الخلاف معه إلى حكم بالموت.