منيت بروكسل بضربة جديدة في ملف التوسع، بعد أن صوّت الناخبون الأيسلنديون لصالح رفض استئناف محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في استفتاء أعاد إلى الواجهة معركة السيادة على المياه الإقليمية التي كانت حاضرة بقوة في استفتاء "بريكست" قبل عقد.
ووفقا لصحيفة ديلي تليجراف البريطانية، صوّت 52.5% من الأيسلنديين ضد إعادة فتح باب المفاوضات مع التكتل مقابل 47.5%، بفارق نحو 12.6 ألف صوت فقط في دولة لا يتجاوز عدد سكانها 400 ألف نسمة.
وبلغت نسبة المشاركة 82.5%، وهي الأعلى منذ الانتخابات البرلمانية عام 2009، وفق وسائل إعلام محلية.
وأعلنت هيئة الإذاعة الحكومية وزعيم حملة "لا" أولافور راجنار جريمسون النتيجة، رغم عدم إعلانها رسمياً بعد.
الأسماك والهوية تحسمان المعركة
وبالنسبة لأيسلندا، "دولة محبة للأسماك" كما وصفها مراقبون، لم تكن القضية اقتصادية بحتة بقدر ما كانت رمزية تتعلق بالهوية، فقطاع الصيد يمثل 40% من صادرات الجزيرة البركانية ونحو 8% من ناتجها المحلي الإجمالي، ويشكل جزءاً من نسيجها الوطني.
كان الانضمام للاتحاد سيعني الخضوع لـ "سياسة المصايد المشتركة"، وفتح المياه الغنية بأسماك القد والحدوق أمام أساطيل دول التكتل، والتخلي عن صناعة صيد الحيتان التي لا تمارسها سوى أيسلندا واليابان والنرويج.
وأضاف التقرير أنه بالنسبة للكثيرين في ريكيافيك، كان ذلك يعني "بيع السيادة" لبروكسل التي تحظر تجارة الحيتان ومشتقاتها، وهو نفس الجدل الذي أشعل غضب الصيادين البريطانيين خلال "بريكست".
بريكست 2 في شمال الأطلسي
تشبه النتيجة إلى حد كبير دروس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: الاقتصاد لم ينتصر دائماً على قضايا السيادة والهوية.
وراهنت بروكسل على أن الأيسلنديين سيختارون "نعم" نظراً لاستقرار اقتصاد التكتل مقارنة بأيسلندا التي تعاني تضخماً وأسعار فائدة مرتفعة، ولأن التهديدات الأمريكية بشأن جرينلاند والقطب الشمالي دفعت البعض للاعتقاد بأن الجزيرة ستبحث عن مظلة أوروبية.
لكن الناخبين اختاروا الحفاظ على وضعهم الحالي: عضوية في السوق الموحدة وشنجن دون التخلي عن السيطرة على الثروة السمكية أو السياسة التجارية المستقلة التي تتيح لهم صفقات مع قوى مثل الصين.
وأشار التقرير إلى أنه لو انضمت أيسلندا لكانت أول دولة "مساهمة صافية" في ميزانية الاتحاد منذ 1995، وهو ما كان سيمنح بروكسل دفعة لتبرير فتح الباب أمام أوكرانيا ومولدوفا والجبل الأسود.
ماذا بعد؟
وأكد قادة حملة "لا" أن النتيجة تثبت رضا الأيسلنديين عن "الوضع الوسطي" الحالي، ولا يرون ضرورة للتغيير.
كانت محادثات انضمام أيسلندا قد جُمّدت أصلاً عام 2013 مع وصول حكومة متشككة في الاتحاد للسلطة. واليوم تؤكد النتيجة أن جرح الصيادين البريطانيين لا يزال حاضراً كعبرة لدول أخرى تفكر في الانضمام.
وبذلك تواصل أيسلندا مسارها خارج التكتل، متمسكة بسيادتها البحرية، بينما تتلقى بروكسل رسالة واضحة: التوسع لن يمر ما لم يُحسم ملف السيادة أولاً.