هناك علاقات لا تكون صعوبتها في غياب الحب، وإنما في كثرة ما يقف في طريقه.
يكون الحب حاضرًا، عميقًا، حقيقيًا، وربما نادرًا إلى الدرجة التي يشعر معها الإنسان أنه أمام شخص لم يلتقِ روحه كثيرًا في حياته، ثم تأتي التحديات لتضع هذا الحب أمام سؤال قاسٍ: هل نستطيع أن نعيش ما نشعر به، أم أن حجم الصعوبات أكبر من قدرتنا على الاحتمال؟
في مثل هذه العلاقات، لا يسكن القلب صوت واحد، وإنما صوتان داخليان يتناوبان عليهما.
صوت الاحتياج يقول: اقترب... هذا الإنسان يعني لك الكثير، ووجوده يهدئ شيئًا في داخلك، ويمنحك شعورًا لا تستطيع بسهولة أن تجده في مكان آخر.
ثم يأتي صوت الخوف ليقول: انتبه... الطريق ليس سهلًا، والتحديات كثيرة، فهل تستطيع أن تتحمل كل ما ينتظرك؟
وهكذا تبدأ واحدة من أكثر الصراعات الإنسانية تعقيدًا؛ شخص يحب، ويحتاج، ويشتاق، لكنه يخاف من الطريق الذي عليه أن يمشيه حتى يصل إلى من يحب.
وعندما يعلو صوت الاحتياج، يعود الحبيب إلى حبيبه.
لا يعود بالضرورة لأن كل شيء أصبح واضحًا، ولا لأن المشكلات اختفت، وإنما لأن البعد نفسه أصبح مؤلمًا، ولأن وجود الآخر يعمل بطريقة عميقة على تهدئة التوتر الداخلي. يصبح القرب مساحة يهدأ فيها العقل قليلًا، وتستكين فيها الأسئلة، ويشعر الإنسان أن هناك من يفهمه ويشبهه ويمنحه ذلك الإحساس النادر بأنه ليس مضطرًا لأن يواجه كل شيء وحده.
لكن ما إن يهدأ صوت الاحتياج قليلًا، حتى يعود صوت الخوف من جديد.
تعود الأسئلة التي لم تجد إجاباتها: ماذا عن المستقبل؟ ماذا عن هذه الظروف؟ ماذا لو فشلنا؟ ماذا لو دفعنا ثمنًا أكبر مما نستطيع احتماله؟ ماذا لو كان الحب حقيقيًا، لكن الحياة أقوى منا؟
وهنا قد يبتعد.
والابتعاد في هذه الحالة لا يعني بالضرورة أن الحب انتهى، كما أن العودة لا تعني أن الخوف اختفى. إنها دائرة نفسية أكثر تعقيدًا من ذلك؛ يقترب عندما يشعر أنه يحتاج إلى الأمان الذي تمنحه العلاقة، ويبتعد عندما يتذكر حجم المخاطر والتحديات التي تحيط بها.
وقد تعيش المرأة هذا الصراع بالطريقة نفسها.
قد تقول لنفسها إنها يجب أن تكون أكثر عقلانية، وأن تتوقف عن التفكير في هذا الحب، ثم تجد قلبها يعود إليه كلما اشتاقت إلى ذلك الشعور الذي لا تستطيع تفسيره. وقد تخاف ليس من الرجل، وإنما من الطريق معه؛ من التعقيدات، ومن المستقبل، ومن احتمال أن تحب بكل هذا العمق ثم لا تستطيع أن تصل إلى الحياة التي تتمناها معه.
والرجل أيضًا قد يعيش الصراع ذاته، وإن عبّر عنه بصورة مختلفة. قد يبدو أكثر صمتًا، أو أكثر ترددًا، أو أكثر قدرة على الابتعاد، لكن داخله قد يكون ممتلئًا بالأسئلة نفسها. قد يحب المرأة بشدة، لكنه عندما ينظر إلى التحديات التي تقف بينهما يشعر بثقل القرار، فيتراجع خطوة، ثم يعود إليه الحنين عندما يكتشف أن البعد لم يمنحه السلام الذي كان يبحث عنه.
المشكلة أن الإنسان أحيانًا يخلط بين الخوف من العلاقة والخوف على العلاقة.
هناك فرق كبير بين أن أخاف منك، وأن أخاف من أن أخسرك. وبين أن أخاف من حبك، وأن أخاف من ألا أستطيع أن أحمي هذا الحب من الظروف.
ولهذا لا تكون كل مسافة دليلًا على انطفاء المشاعر، ولا كل عودة دليلًا على أن الطريق أصبح سهلًا.
بعض العلاقات تحتاج إلى وقت حتى يستطيع طرفاها أن يفهما أن الحب وحده لا يلغي التحديات، لكنه يمنحهما الدافع لمواجهتها. فالحب الحقيقي ليس وعدًا بأن الحياة ستكون بلا صعوبات، وإنما هو شعور يجعل الإنسان مستعدًا لأن يبحث عن طريق وسط الصعوبة.
ولأن الحب الحقيقي شعور لا يتكرر كثيرًا في حياتنا، فإن وجوده يستحق أن نتوقف أمامه بصدق. ليس كل من نلتقي بهم يلمسون أعماقنا، وليس كل علاقة تمنحنا ذلك التآلف النفسي والعاطفي الذي يجعلنا نشعر أن بين روحين لغة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
لكن ندرة الحب لا تعني أن نتعلق به بطريقة تلغي عقولنا، كما أن وجود التحديات لا يعني أن نهرب منه بطريقة تلغي قلوبنا.
النضج الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن سؤال: هل نحب بعضنا؟ ونبدأ في سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا سنفعل بهذا الحب؟
هل سنتركه أسيرًا للاشتياق والابتعاد؟ أم سنحوله إلى قدرة على المواجهة، وإلى اختيارات واضحة، وإلى خطوات حقيقية تستطيع أن تنقل العلاقة من مساحة الشعور إلى مساحة الحياة؟
العلاقة التي تعيش طويلًا بين الاحتياج والخوف تحتاج في لحظة ما إلى صوت ثالث؛ صوت أكثر هدوءًا من الاثنين، يقول: نعم، هناك تحديات، لكن يمكننا أن نواجهها. نعم، هناك خوف، لكن لا يجب أن يكون الخوف هو من يقرر مستقبلنا.
فالحب لا يصبح قويًا لأنه لم يواجه شيئًا، وإنما لأنه واجه الكثير ولم يفقد معناه.
وربما تكون بعض أصعب العلاقات هي التي تمنحنا فرصة لاكتشاف حقيقة ما نشعر به. فالتحديات تكشف الإنسان لنفسه، وتكشف مقدار ما يستطيع أن يبذله، ومقدار ما يستطيع أن يحتمل، والأهم: هل يريد هذا الشخص فعلًا أن يبني، أم أنه كان يحب فقط فكرة الحب؟
من رحم التحديات يولد الحب أحيانًا أكثر نضجًا، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الحياة.
وفي النهاية، قد لا يكون الانتصار الحقيقي للحب أن يختفي صوت الخوف تمامًا؛ فالخوف جزء من الإنسان، ومن الطبيعي أن نخشى ما لا نضمن نتائجه. لكن الانتصار أن يصبح الحب أكثر قدرة على طمأنة هذا الخوف، وأن يتحول الاحتياج من تعلق إلى اختيار، وأن تتحول العودة المتكررة إلى قرار بالبقاء والعمل والمواجهة.
لأن بعض الأحبة لا يعودون إلى بعضهم لأنهم لم يستطيعوا الابتعاد فقط، وإنما لأن كل ابتعاد أخبرهم بالحقيقة نفسها: أن هناك أشخاصًا لا يكون القرب منهم رفاهية عاطفية، بل شيئًا يمس أعمق احتياجات الروح.
وعندما يصل الحب إلى هذه النقطة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نخاف؟
بل: هل نحب بما يكفي لأن نمسك بأيدي بعضنا ونواجه ما نخافه؟
فالحب الذي يستحق أن يعيش ليس الحب الذي لا يعرف الخوف، وإنما الحب الذي يعرف الخوف، ثم يختار رغم ذلك أن يحاول.