تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت يحمل أهمية خاصة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ورغبة القاهرة في تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية وزيادة الإنتاج والصادرات وتوطين الصناعات.
وتفتح العلاقات المصرية الصينية، التي تمتد لنحو 70 عامًا، الباب أمام مرحلة جديدة لا تقتصر على التبادل التجاري، وإنما تستهدف بناء شراكات إنتاجية وصناعية ونقل التكنولوجيا، مستفيدة من الموقع الجغرافي الفريد لمصر والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في مقابل ما تمتلكه الصين من قدرات صناعية وتكنولوجية وتمويلية ضخمة.
الدكتور رمضان معن: مصر أمام فرصة لتعظيم العائد الاقتصادي
وفي هذا السياق، يرى الدكتور رمضان معن، رئيس قسم الاقتصاد والمالية العامة بجامعة طنطا، أن تنامي العلاقات المصرية الصينية يمثل فرصة مهمة أمام الاقتصاد المصري للانتقال من مرحلة التعاون التجاري إلى شراكة أكثر عمقًا تقوم على الاستثمار والإنتاج والتصنيع المشترك.
وأوضح أن أهمية التعاون مع الصين لا ترتبط فقط بزيادة حجم الاستثمارات أو التبادل التجاري، وإنما بما يمكن أن تضيفه هذه الاستثمارات إلى الاقتصاد المصري من خلال نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، ورفع نسبة المكون المحلي في المنتجات.
وأشار إلى أن مصر تمتلك مجموعة من المقومات التي تجعلها نقطة جذب مهمة للشركات الصينية، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، إلى جانب قناة السويس والمنطقة الاقتصادية للقناة، فضلًا عن شبكة الاتفاقيات التجارية التي تمنح المنتجات المصنعة داخل مصر فرصًا للوصول إلى أسواق إقليمية واسعة.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على الاستثمارات التي تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد، بدلًا من الاقتصار على المشروعات التي تعتمد بصورة كبيرة على استيراد مستلزمات الإنتاج من الخارج، مشددًا على أهمية ربط الاستثمارات الصينية باحتياجات الاقتصاد المصري وأولوياته التنموية.
قناة السويس بوابة الاستثمارات الصينية
وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها أحد أهم المحاور التي يمكن أن تستند إليها الشراكة المصرية الصينية خلال المرحلة المقبلة، إذ تمنح الشركات الصينية فرصة إقامة مشروعات صناعية وإنتاجية بالقرب من واحد من أهم الممرات التجارية العالمية.
وتكتسب المنطقة أهمية أكبر مع توجه مصر إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة اقتصادية، بحيث لا تكون قناة السويس مجرد ممر لعبور السفن، وإنما جزءًا من منظومة متكاملة للتصنيع والخدمات اللوجستية والتخزين وإعادة التصدير.
من التبادل التجاري إلى التصنيع ونقل التكنولوجيا
ويرى خبراء أن التحدي الحقيقي أمام العلاقات المصرية الصينية خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الاستثمارات الصينية، بحيث تتحول إلى محرك للنمو الصناعي وليس مجرد مصدر لزيادة حجم التجارة.
وتبرز في هذا الإطار قطاعات عديدة يمكن أن تشهد تعاونًا أكبر، من بينها السيارات الكهربائية ومكوناتها، والطاقة الجديدة والمتجددة، والإلكترونيات، والصناعات الهندسية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والنقل واللوجستيات، ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي.
كما يمثل التعاون في مجال الطاقة المتجددة فرصة مهمة، في ظل ما تمتلكه مصر من إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب خططها للتوسع في مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة.
«بريكس» ومسارات جديدة للتجارة
وتضيف عضوية مصر والصين في تجمع «بريكس» بعدًا جديدًا للعلاقات الاقتصادية، خاصة مع الاتجاه العالمي نحو تنويع أدوات التجارة وتقليل الاعتماد على الدولار في بعض التعاملات الدولية.
ومن الممكن أن تتيح هذه العضوية فرصًا أوسع للتعاون المالي والتجاري بين الدول الأعضاء، سواء من خلال استخدام العملات المحلية أو تطوير آليات دفع وتسوية جديدة، وهو ما قد يساعد على تخفيف الضغوط المرتبطة بالعملات الأجنبية وتعزيز قدرة الدول على تنويع معاملاتها التجارية.
وفي هذا السياق، يمكن لمصر الاستفادة من علاقاتها مع الصين داخل «بريكس» في فتح مسارات جديدة للاستثمار والتمويل والتجارة، خاصة مع امتلاك القاهرة موقعًا استراتيجيًا يجعلها حلقة وصل بين الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
أفريقيا.. سوق واعدة للشراكة المصرية الصينية
ولا ينفصل التعاون المصري الصيني عن البعد الأفريقي، إذ تمثل القارة سوقًا ضخمة وواعدة أمام الاستثمارات والصناعات، في ظل امتلاكها موارد طبيعية وبشرية كبيرة، وارتفاع الطلب على مشروعات البنية الأساسية والطاقة والنقل والصناعة.
وهنا يمكن لمصر أن تؤدي دورًا محوريًا باعتبارها بوابة رئيسية إلى القارة الأفريقية، بما يسمح للشركات الصينية باستخدام السوق المصرية كقاعدة للتصنيع والتصدير إلى أسواق القارة.
جذب رؤوس الأموال يحتاج إلى بيئة أكثر تنافسية
وتتزامن هذه التحركات مع سعي الدولة المصرية إلى تحسين مناخ الاستثمار وزيادة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة أحد الملفات الرئيسية خلال المرحلة المقبلة.
ويؤكد الدكتور رمضان معن أن تعظيم الاستفادة من الاستثمارات الصينية يتطلب استمرار العمل على تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل الإجراءات، وتوفير قدر أكبر من الاستقرار التشريعي، إلى جانب وضع حوافز مرتبطة بالنتائج الاقتصادية الفعلية للمشروعات.
فالمنافسة على جذب الاستثمارات أصبحت عالمية، والشركات الكبرى تبحث عن الأسواق التي توفر لها ليس فقط الموقع الجغرافي، وإنما أيضًا البنية التحتية والعمالة المؤهلة وسهولة ممارسة الأعمال وإمكانية النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
30 مليار دولار.. هل تتحول إلى استثمارات إنتاجية؟
وتشير التقديرات والتصريحات الرسمية والبرلمانية إلى وجود طموحات مصرية لزيادة الاستثمارات الصينية خلال السنوات المقبلة، والوصول بها إلى مستويات أكبر بحلول عام 2030.
لكن الوصول إلى هذه المستهدفات لا ينبغي أن يكون هدفًا رقميًا فقط، بحسب الرؤية الاقتصادية المطروحة، وإنما يجب أن يرتبط بمؤشرات أكثر أهمية، مثل حجم الصادرات الناتجة عن هذه الاستثمارات، ونسبة المكون المحلي، وعدد فرص العمل، وحجم التكنولوجيا التي يتم نقلها إلى السوق المصرية.
ومن هنا، تصبح جودة الاستثمار أكثر أهمية من حجمه، لأن المشروع الذي ينتج داخل مصر ويصدر إلى الخارج ويستخدم العمالة والخامات المحلية وينقل التكنولوجيا، يحقق للاقتصاد عائدًا أكبر من مجرد تدفق رأس المال.
في الختام، تبدو الشراكة المصرية الصينية أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى مستوى أكثر عمقًا، مستفيدة من الرغبة السياسية المشتركة في تعزيز العلاقات، ومن المقومات الاقتصادية والجغرافية التي يمتلكها الطرفان.
وبالنسبة لمصر، فإن الرهان الأكبر لا يتمثل فقط في جذب مزيد من الشركات الصينية، وإنما في تحويل هذه الاستثمارات إلى إنتاج محلي وصادرات وتكنولوجيا وفرص عمل.
أما الصين، فتمثل مصر بالنسبة لها بوابة مهمة إلى أسواق أفريقيا والمنطقة العربية، وهو ما يجعل العلاقة بين البلدين قائمة على مصالح متبادلة يمكن البناء عليها خلال السنوات المقبلة.
