قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

صديق الطير.. يوسف الجبالي يحكي أسرار «الغية» في سانت كاترين

يوسف محمد موسي الجبالي يربي الحمام
يوسف محمد موسي الجبالي يربي الحمام

في حضن جبال سانت كاترين، وبعيدًا عن صخب المدن، يعيش يوسف محمد موسى الجبالي حكاية عمرها 23 عامًا مع الحمام؛ حكاية بدأت بزوج من الطيور أهدته له والدته عندما كان طفلًا في الثانية عشرة من عمره، ثم تحولت مع مرور السنوات من مجرد هواية إلى صداقة ورفقة ومسؤولية يومية.

في منطقة الملقاة بمدينة سانت كاترين، حيث الجبال تحيط بالمكان من كل جانب، اعتاد يوسف أن يخرج يوميًا إلى الحمام الذي يربيه، يحمل له الطعام بيديه، فتتجمع الطيور حوله دون خوف، وتتناول غذاءها من يده، في مشهد يعكس سنوات طويلة من الألفة والثقة بين الإنسان والطيور.

يعود يوسف بذاكرته إلى أكثر من عقدين، عندما كان طفلًا في الثانية عشرة من عمره، ويقول إن شغفه بتربية الحمام بدأ بعدما أهدته والدته زوجًا من الحمام الجبلي ليرعاه ويهتم به.

يقول يوسف: «كنت صغيرًا، وكان عمري نحو 12 عامًا، عندما هويت تربية الحمام الجبلي. أعطتني والدتي زوج حمام لأرعاه وأهتم به، فأصبح صاحبي؛ ألعب معه وأتكلم معه وأطعمه، وأظل بجواره أوقاتًا طويلة».

ومع مرور السنوات، لم يتوقف الأمر عند الزوج الأول، فقد كبر الحمام وتكاثر، وأصبح ليوسف عدد أكبر من الطيور، فخصص لها غرفة تأوي إليها، وتحولت تربية الحمام إلى جزء ثابت من حياته اليومية.

يرى يوسف أن تربية الحمام ليست مجرد هواية أو وسيلة لقضاء وقت الفراغ، وإنما مسؤولية وأمانة تحتاج إلى رعاية مستمرة، تبدأ بتوفير الطعام والمياه، ولا تنتهي عند متابعة الطيور وعلاجها إذا مرضت.

ويقول: «تربية الحمام أمانة ومسؤولية، وكل الحمام أصبح مثل أصحابي. وأنا لا آكل الحمام؛ مفيش صاحب بيأكل صاحبه».

هذه الجملة تختصر فلسفة يوسف في علاقته بالطيور؛ فهو لا ينظر إليها باعتبارها مجرد حمام يربيه، وإنما ككائنات ألفها وألفته، وأصبحت جزءًا من تفاصيل يومه وذكرياته منذ طفولته.

وفي كل صباح، يخرج يوسف إلى الحمام أمام غرفته، وينثر له الطعام، فيما تتجمع الطيور حوله بعدما اعتادت على وجوده وصوته وطريقة إطعامه. ومع تكرار المشهد يومًا بعد يوم، أصبحت الطيور أكثر ألفة به، حتى باتت تأكل من يده مباشرة.

ولا تقتصر رعاية يوسف لطيوره على الطعام والشراب، فهو يتابعها باستمرار، ويحاول علاج الحمام إذا أصيب بالمرض، انطلاقًا من إحساسه بأن الطيور التي أصبحت جزءًا من حياته تحتاج إلى الرعاية مثل أي كائن يعتمد على صاحبه.

لكن علاقة يوسف بالحمام لم تمنحه لحظات الألفة فقط، بل حملت إليه ذات يوم قصة طريفة بدأت بوصول حمام زاجل غريب إلى مكانه.

يتذكر يوسف أنه فوجئ ذات يوم بحمام زاجل قادم من محافظة دمياط، وكان يحمل في قدمه وسيلة للتواصل مع صاحبه. وعندما اطلع يوسف على رقم الهاتف، بادر بالاتصال بصاحب الطائر وأخبره بأن الحمام وصل إلى سانت كاترين.

ويقول إن صاحب الحمام لم يصدق في البداية أن طائره قطع هذه المسافة ووصل إلى سانت كاترين، وكان يعتقد أنه لا يزال في دمياط، إلا أن يوسف تمكن في النهاية من التواصل معه وإعادة الحمام إلى صاحبه.

ويبدو أن هذه الواقعة عززت لدى يوسف شعوره بأن عالم الحمام مليء بالحكايات والمفاجآت، وأن الطيور التي يربيها ليست مجرد كائنات تعيش حوله، بل تحمل قصصًا وذكريات وروابط تمتد إلى أماكن بعيدة.


 

ورغم عشقه لتربية الحمام، لم ينشئ يوسف حتى الآن برجًا خاصًا للحمام، موضحًا أن أحد أسباب ذلك رغبته في عدم جذب حمام الأهالي إلى مكانه، إلى جانب عدم توافر الإمكانيات المادية اللازمة لبناء برج متكامل.

وهكذا، تظل غرفة الحمام في حضن الجبل بالنسبة إلى يوسف أكثر من مجرد مكان لتربية الطيور؛ إنها مساحة ارتبطت بطفولته وشبابه، واحتفظت بذكريات 23 عامًا من الصحبة.

في سانت كاترين، حيث تبدو الحياة أكثر هدوءًا بين الجبال، اختار يوسف أن يحافظ على هواية بدأت معه طفلًا، حتى أصبحت جزءًا من شخصيته وحياته اليومية. وبينما يرى البعض في الحمام مجرد طيور، يراه يوسف بصورة مختلفة؛ يرى فيه صاحبًا يطعمه ويرعاه ويأنس بوجوده.

وربما لهذا السبب، عندما يتجمع الحمام حوله ويأكل من يده، لا يشعر يوسف بأنه يطعم طيورًا، بقدر ما يشعر بأنه يلتقي بأصدقاء قدامى يعرفهم منذ سنوات طويلة.

ففي «أرض التجلي»، لا تروي الجبال وحدها حكايات المكان، بل يروي سكانها أيضًا قصصًا صغيرة، قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل الكثير من الدفء والإنسانية؛ ومن بينها حكاية يوسف والحمام، التي بدأت بزوج صغير من الطيور، واستمرت 23 عامًا، وما زالت مفتوحة على المزيد من .