قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الأوقاف تنشر نص خطبة الجمعة القادمة بعنوان: البيئة.. وحرمة تصوير الأفراد بدون إذن

الأوقاف
الأوقاف

نشرت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ / ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦م بعنوان: «البيئة.. نعمة ربانية ومسئولية إنسانية» والهدف المراد توصيله:《ترسيخ الوعي بأن حماية البيئة مسئولية دينية وأخلاقية ومجتمعية، وأن الحفاظ عليها من الإفساد والتلوث أحد أبواب شكرِ نعمةِ الله وحفظِ الأمانة وإسعادِ الإنسان، أما الخطبة الثانية: «حرمة تصوير الأفراد بدون إذن». 

الخطبة الاولى: البيئة في التصور الإسلامي نعمةٌ وأمانةٌ واستخلاف

أول ما يقرره الإسلام أن هذا الكون لم يُخلق عبثًا، ولم يُترك سدًى، بل جرى على تقدير مُحكَم وميزان دقيق؛ قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِیۤ ‌أَحۡسَنَ ‌كُلَّ شَیۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾ [السجدة: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ شَیۡءࣲ ‌مَّوۡزُونࣲ﴾ [الحجر: ١٩]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَیۡءٍ ‌خَلَقۡنَٰهُ ‌بِقَدَرࣲ﴾ [القمر: ٤٩].

وهذا الإحكامُ الإلهي الكوني لا يجوز للإنسان أن يعبثَ به؛ فقد قال سبحانه: ﴿وَٱلسَّمَاۤءَ رَفَعَهَا ‌وَوَضَعَ ‌ٱلۡمِیزَانَ ۝٧ أَلَّا تَطۡغَوۡا۟ فِی ٱلۡمِیزَانِ﴾ [الرحمن: ٧ - ٨]، فكلُّ تلويثٍ للهواء، وكلُّ استنزافٍ للماء، وكلُّ إخلالٍ بالتوازنِ الحيوي البيئي، هو في حقيقتِه لون من ألوان الطغيان في الميزان.

ثم إنّ هذه الأرضَ سُخِّرت للإنسان تسخيرَ انتفاعٍ لا تسخيرَ تمليكٍ مطلق: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ ‌جَمِیعࣰا ‌مِّنۡهُۚ﴾ [الجاثية: ١٣]، ﴿أَلَمۡ تَرَ ‌أَنَّ ‌ٱللَّهَ ‌سَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الحج: ٦٥]، ﴿وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا ‌لِلۡأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].

والفرقُ بين التصوّرين عظيم: فمن ظنّ نفسَه مالكًا أطلقَ يدَه في الأرضِ بلا ضابط، ومن علِمَ أنه مستخلَفٌ وقفَ عند حدودِ من استخلفه، وقد صرّح القرآنُ بهذه الخلافة: ﴿إِنِّی ‌جَاعِلࣱ ‌فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَكُمۡ ‌خَلَٰۤئِفَ ‌ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقرنَها بالعِمارة لا بالاستهلاك: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١].

وفي الحديثِ ما يجعلُ هذه الخلافةَ اختبارًا مرصودًا؛ قال ﷺ: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [رواه مسلم]، فانظر كيف ربطَ حُسنَ العملِ في الأرضِ بالمراقبةِ الإلهية.

فالتأملُ في دقّةِ الخلق، وتنوّعِ الكائنات، وترابطِ النظمِ البيئية، من التربةِ إلى النبات، ومن النبتةِ إلى الحشرة، ومن الحشرةِ إلى الطائر، بابٌ عظيمٌ إلى معرفةِ عظمةِ الخالق وشكرِ نعمته: ﴿‌وَفِی ‌ٱلۡأَرۡضِ ءَایَٰتࣱ لِّلۡمُوقِنِینَ ۝٢٠ وَفِیۤ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١].

الخطبة الثانية: حرمة تصوير الأفراد بدون إذن

اتسعت دوائرُ وجود الإنسان حتى غدا له إلى جوار العالم المحسوس عالمٌ رقميٌّ واسع، يدخله كلَّ يوم، ويلتقي فيه بالآخرين، ويتبادل معهم الكلمات والصور والمواقف، ويترك فيه آثارًا قد تتجاوز في امتدادها ما يتركه في واقعه المباشر.

وكما أن للبيئة التي نمشي في طرقاتها هواءَها الذي يُنقّى، وماءَها الذي يُصان، وأرضَها التي لا ينبغي أن تُفسَد، فإن للبيئة الرقمية كذلك فضاءً أخلاقيًّا ينبغي أن يبقى نقيًّا من الأذى، مصونًا من العبث، آمنًا من انتهاك الخصوصيات والكرامات.

ومن هنا فإن القيم الشرعية لا تقف عند حدود المكان الذي تطؤه الأقدام، بل تمتد إلى كل فضاءٍ يصنع فيه الإنسان أثرًا؛ فكما نُهي عن الإفساد في الأرض، نُهي عن الإضرار بالناس في حياتهم الرقمية، وكما صينت حرمة البيوت والأعراض، وجب أن تُصان حرمة الصور والمعلومات والخصوصيات، وكما حُفظ اللسان من البهتان والغيبة والسخرية، وجب أن تُحفظ الأصابع التي تكتب وتنشر وتصور وتعيد التداول؛ فليست الشاشةُ حاجزًا يسقط المسؤولية، ولا سرعةُ النشر عذرًا في انتهاك الحقوق؛ إذ قد تكون ضغطةٌ عابرة أثرًا باقياً، وقد تتحول صورةٌ التُقطت في لحظةٍ إلى جرحٍ يطول أثره، وقد تفتح كلمةٌ كُتبت بلا روية بابًا من الأذى لا يُغلق بسهولة؛ ومن ثمَّ فإن صلاح البيئة الرقمية يبدأ من ضمير الإنسان؛ حين يدرك أن ما يفعله خلف الشاشة يُكتب عليه كما يُكتب ما يفعله أمام الناس، وأن صيانة هذا الفضاء من التلوث الأخلاقي ليست ترفًا، بل صورةٌ من صور الأمانة وحفظ الحقوق وحسن الاستخلاف في الأرض.