قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. هبة محمد عيد تكتب: أرواحٌ في البرزخ.. ثمن العيش في المنطقة الرمادية

د. هبة محمد عيد
د. هبة محمد عيد

في كثير من الأحيان نجد أنفسنا نقف في منتصف الطريق فلا نحن قادرون على المضي قُدماً بكامل طاقتنا ولا نحن قادرون على التراجع والانسحاب لنعيش في تلك المساحة الفاصلة "ما بين البينين"، حيث تتشابك واجباتنا اليومية وتوقعات من حولنا مع طاقتنا النفسية والجسدية التي بدأت ترفع راية الخضوع والطاعة إنها المنطقة الرمادية التي نحاول فيها قدر الإمكان إرضاء الجميع والمحافظة على سلامتنا الداخليّة في الوقت ذاته.

​فنحن نحتاج أولاً أن نستوعب بمنظور تربوي ونفسي إنساني أن الوقوف في هذه المنطقة الرمادية ليس بالضرورة دليل ضعف في الشخصية ولا تنصلاً من المسؤولية أو هروباً أخلاقياً، لأن هذا التردد في جوهره انعكاساً طبيعياً لوعي راقٍ وتعقيد إنساني مكتمل فالمرء قد يكون محباً لبيته ولعمله ولمحيطه الاجتماعي ولكنه في الوقت ذاته منهك حتى العظم، وقد يلوذ بالصمت ليس لخواء عقله أو عجز، لسانه بل خوفاً صريحاً من أن تُفهم كلماته على غير مقاصدها، وقد يختار الابتعاد قليلاً لا جفاءً ولا قسوة، بل ليسترد أنفاسه ويتلمس ما تبقى من سلامه النفسي.

​لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يضغط المجتمع بأحكامه الجاهزة وسرعته القاسية في تصنيف البشر، فيضعنا دائماً أمام خيارات حادة وهي إما أن تحمل العبء كاملاً دون شكوى أو زفرة تعب لتكون في نظره شخصاً "مسؤولاً وناجحاً"، أو تتصف فوراً بالتخلي والتقصير وضيق الحيلة وهذا الضغط الصامت المستمر يدفع الفرد منا إلى خوض معركة ناعمة وضارية في وقت واحد يبتسم فيها للجميع في الظاهر ويؤدي دوره الاجتماعي بدقة متناهية، بينما يتآكل وينهار تدريجياً في الباطن دون أن يشعر به أحد.

​وهنا تحديداً عندما يصمت العقل وتتوارى المشاعر خلف قناع المداراة يتدخل الجسد ليقول كلمته الأخيرة وبصوت مرتفع.
​فعندما  يطول المكوث في حيرة "الما بين" – بين الاستمرار في العطاء تحت وطأة الضغوط المتراكمة وبين التراجع لحماية الذات – ينقبض الجهاز العصبي ويُعلن حالة الطوارئ القصوى، لذلك نجد أن الاسترسال في الحيرة والشعور بالحصارات الاجتماعية يجعل أجسادنا تعيش في استنفاد عصبي دائم، فيتحول التردد الفكري والنفسي إلى اضطراب عضوي ونفسي صريح يترجمه الجسد في صورة أرق يسرق النوم من العيون، وتوتر متصل في العضلات ينهك الجسد، وإرهاق مزمن لا تداويه استراحة عابرة ولا ساعات نوم طارئة. إن الخوف من نظرة المجتمع أو خشية الشعور الذاتي بالذنب يمنعنا من حسم الأمور فتتحول المسؤولية حينها من قيمة مضافة للبناء والإنجاز إلى فعل إيذاء ذاتي غير معلن نرتكبه في حق أنفسنا كل يوم.

​وجب علينا أن نعلم بأن النضج النفسي والتربوي الحقيقي لا يطالبنا بإلغاء هذه المنطقة الرمادية بالكامل، بل يذكرنا دائماً بضرورة ألا نعلق فيها إلى الأبد. إنها مساحة مخصصة في الأصل للتأمل والهدوء، وللاستماع لأوجاع أجسادنا، ومراجعة حدود طاقاتنا البشرية، وليست مقراً دائماً للإقامة أو السكن.

ف​الشفاء والاتزان العصبي يبدآن دائماً من شجاعة الحسم وإعادة ترسيم الحدود الصحية مع أنفسنا ومع من نحب. فالأبوة والأمومة والعطاء التربوي والاجتماعي لا تتطلب منا أن نكون خارقين أو معصومين من التعب بل تطلب منا أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع أبنائنا، وأن نعلمهم بالقدوة الحية أن للحدود الإنسانية قيمة لا تضاهى وأن الاعتناء بالصحة النفسية والعصبية ليس رفاهية كمالية بل هو الجدار الأول والأهم لحماية الأسرة والمجتمع. والمسؤولية الحقيقية تقتضي إما أن نتبناها بوعي وقدرة وضمن أطر صحية تحمي عافيتنا النفسية، أو أن نملك النضج الكافي للاعتراف بحدود طاقتنا وتفويض غيرنا أو التراجع بشرف ودون جلد قسري للذات.

دعونا نكن أكثر رحمة بأعمالنا وأجسادنا، وأكثر تفهماً وتعاطفاً مع الآخرين من حولنا ممن يخوضون معاركهم الصامتة في خفاء. فليس المطلوب منا أن نرى العالم بالأبيض والأسود فقط، بل أن نفهم درجات الحياة المختلفة ونحترم تعقيداتها، وأن نمتلك الشجاعة الكافية لنختار خروجاً آمناً وصحياً من نفق التردد والضغط العصبي لنحمي سلامنا الداخلي، ونسلم بجسد وعقل قادرين على العطاء الحقيقي والصادق.