كانت الهجرة النبوية نقطة تحول كبرى في تاريخ الدعوة الإسلامية، فبعد رحلة شاقة من مكة إلى المدينة، بدأت مرحلة جديدة من بناء المجتمع المسلم على أسس الإيمان والأخلاق والتكافل وحفظ الحقوق.
ومن قباء، حيث أقام سيدنا رسول الله وأُسس أول مسجد في الإسلام، بدأت ملامح الحياة الجديدة تتشكل، حتى دخل المدينة واستقبله أهلها بالفرح والمحبة، وتسابقوا إلى نيل شرف ضيافته.
ولم تكن بداية الاستقرار في المدينة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل حملت معها دروسًا عظيمة في الأمانة والكرم وحسن التدبير وحفظ حقوق الضعفاء، وبرز ذلك في مواقف سيدنا علي وأبي بكر وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم، وفي تأسيس المسجد النبوي الشريف الذي أصبح قلب المجتمع المسلم ومركز عبادته وعلمه وتواصله.
وفيما يلي أبرز محطات هذه البداية المباركة وما تحمله من دروس من السيرة النبوية، كما نشرها الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف.
كيف بدأت حياة النبي في المدينة؟
في البداية، بقي سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مكة بعد خروج سيدنا رسول الله ليرد الأمانات والودائع إلى أصحابها، رغم ما لقيه المسلمون منهم من أذى؛ فالأمانة لا تتغير باختلاف المواقف والخصومات.
وبعدما أدى سيدنا علي رضي الله عنه الأمانات، خرج من مكة ولحق بسيدنا رسول الله في قباء، وقد قطع الطريق على قدميه.
وأقام سيدنا رسول الله في قباء أيامًا، وفيها أُسس مسجد قباء، أول مسجد أُسس في الإسلام على التقوى، وبقيت زيارته والصلاة فيه مرتبطة بهدي سيدنا رسول الله.
وكان أهل المدينة يتوافدون لرؤية سيدنا رسول الله، ومن لم يكن يعرفه ظن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه هو النبي لكبر سنه وظهور الشيب عليه؛ حتى اشتدت الشمس، فظلَّله سيدنا أبو بكر بردائه، فعرف الناس من هو سيدنا رسول الله.
وخرج سيدنا رسول الله من قباء صباح الجمعة متوجهًا إلى المدينة، فلما دخل وقت الصلاة في ديار بني سالم بن عوف، صلى بالمسلمين الجمعة قبل أن يستكمل طريقه.
استقبال بنو النجار لسيدنا النبي
واستقبل بنو النجار سيدنا رسول الله بالسلاح تشريفًا له، وتسابق أهل المدينة إلى استضافته رغم ضيق أحوال كثير منهم؛ فقد كان كل بيت يتمنى أن ينال شرف نزوله عنده.
وكلما أراد أحد أن يأخذ بزمام ناقته ليذهب بها إلى بيته قال سيدنا رسول الله: «دعوها فإنها مأمورة»، حتى بركت في الموضع الذي أصبح بعد ذلك المسجد النبوي الشريف.
وسبق سيدنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه إلى متاع سيدنا رسول الله فحمله إلى بيته، فلما سأل: «أي البيوت أقرب؟» قال أبو أيوب: بيتي يا رسول الله، فقال: «الرجل مع رحله»، فنال شرف استضافته.
وبلغ أدب أبي أيوب وزوجه رضي الله عنهما أن استثقلا أن يسكنا في الطابق الأعلى ورسول الله أسفلهما، وأرادا أن يكون هو في الأعلى؛ لكن سيدنا رسول الله اختار الدور الأرضي ليسهل على الناس الدخول إليه والخروج من عنده.
وفي هذا الموقف درس دقيق: الأدب عظيم ومطلوب، لكن حسن تنظيم المكان بما يحقق مصالح الناس وييسر عليهم له اعتباره أيضًا؛ فجمع سيدنا رسول الله بين تقدير أدب أبي أيوب والنظر إلى وظيفة المكان وحاجة الناس.
وكان موضع المسجد النبوي مملوكًا لغلامين يتيمين من بني النجار، فأرادوا تقديمه لسيدنا رسول الله ﷺ، لكنه أبى أن يأخذه بغير ثمن، فاشتراه منهما، ثم هُيئ المكان وبُني فيه مسجده الشريف.
ومع بداية الاستقرار في المدينة، بدأت أسر المهاجرين تلحق بهم؛ وجاء عبد الله بن أبي بكر بأهل أبي بكر وبمن خرج معه من أهل بيت سيدنا رسول الله، لتبدأ مرحلة جديدة من السيرة في المدينة.
الأمانة لا تسقط مع الخصومة
قريش آذت سيدنا رسول الله وأصحابه وأخرجتهم من ديارهم، ومع ذلك بقيت ودائع المشركين أمانة يجب ردها إلى أصحابها. ولذلك بقي سيدنا علي رضي الله عنه في مكة ليؤديها. وهذه من أوضح صور أن أخلاق المسلم لا تتغير عندما يختلف مع الناس أو يظلمونه.
وأهل المدينة لم يكونوا جميعًا أصحاب ثراء، ومع ذلك تنافسوا في استضافة سيدنا رسول الله؛ لأن الكرم خُلُق قبل أن يكون قدرة مالية.
الأدب لا يعني تعطيل المصالح.
أبو أيوب رضي الله عنه يريد أن يكون سيدنا رسول الله في الطابق الأعلى تعظيمًا له، لكن النبي يختار الأسفل لأنه أيسر لاستقبال الناس، وهنا يجتمع الأدب مع حسن التدبير، دون أن يلغي أحدهما الآخر.
حقوق الضعفاء محفوظة.
حتى مع بناء المسجد النبوي، لم يؤخذ موضعه من اليتيمين مجانًا، وإنما اشترى سيدنا رسول الله الأرض منهما؛ لتبقى الحقوق محفوظة في قلب أعظم مشروع بدأ في المدينة.
فمن أوائل الأعمال بعد الوصول والاستقرار تأسيس المسجد؛ لتبدأ مرحلة المدينة من مكان العبادة والعلم والاجتماع.

