قال الشيخ هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء، إن مقترح الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام والتبرع بها لإنقاذ حياة المرضى يثير جدلًا فقهيًا، فرغم النُّبْل الظاهر للمقصد الطبي المتمثل في إحياء النفوس، إلا أنَّ هذا الطَّرْح يصطدم بضوابط شرعية وأخلاقية تحمي كرامة الإنسان وتمنع تحويل جسده إلى "بنك لقطع الغيار" تحت أي مبرر.
نقل الأعضاء من الميت إلى الحي
وأوضح في تصريح له، أنه في تفكيك هذا المقترح وعرضه على ميزان الفقه الإسلامي، نجد أنَّ الفتوى المستقرة في الديار المصرية والمجامع الفقهية المعتبرة قد أجازت مِن حيث المبدأ نقل الأعضاء من الميت إلى الحي، ولكنها قَيَّدت هذا الجواز بضوابط يستحيل، أو يكاد، تحققها في حالة المحكوم عليه بالإعدام.
وصية طوعية من إنسان كامل الأهلية
وأضاف: أولى هذه العقبات الشرعية تتمثل في معيار "الرضا والإرادة الحرة"؛ فالشريعة تشترط لصحة التبرع أن يصدر عن وصية طوعية من إنسان كامل الأهلية، خالٍ من أي ضغط أو إكراه مادي أو معنوي، والمحكوم عليه بالإعدام يعيش واقعًا استثنائيًا تحت وطأة قهر نفسي وسلب للحرية، مما يجعل أي موافقة تصدر عنه في هذه اللحظات الحرجة مشوبة بـ "الإكراه المعنوي القاهر" أو اليأس، وهو ما يُسقط اعتبارها شرعًا.
وتابع: ثانية هذه العقبات تتعلق بـ"لحظة استقطاع العضو"؛ إذ يشترط الفقه الإسلامي التَّحقُّق اليقيني من الموت الكلي (توقف القلب والتنفس والدماغ توقفًا تامًا لا رجعة فيه)، ولا يعتد بمجرد "الموت الإكلينيكي" أو "موت جذع المخ" لبدء انتزاع الأعضاء، وفي حالات الإعدام يتطلب النقل الطبي الناجح لبعض الأعضاء الحيوية استقطاعها فورًا وربما قبل التحقق من الموت الكلي بالمعيار الشرعي، مما يوقع المنفذين في شبهة الاعتداء على جسد لا يزال شرعًا في حكم الحي.
إقامة العقوبات تهدف إلى استيفاء الحقوق وردع الجريمة
ولفت إلى أن إقامة العقوبات تهدف إلى استيفاء الحقوق وردع الجريمة، ولكنها لا تسلب الإنسان -مهما بلغت جريمته- أصل "الكرامة الآدمية" التي وهبها الله له بقوله: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، وتمرير مثل هذا المقترح حتى وإن غُلِّف بغطاء إنساني يفتح بابًا خطيرًا لانتهاك حرمة الموتى، وامتهان أجساد المستضعفين والمقيدين، وهو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي جعلت حفظ النفوس وحفظ الكرامة الإنسانية صنوين لا يفترقان.
الشريعة تحرم بيع الأعضاء
أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، أن قضية التبرع بالأعضاء تحظى باهتمام فقهي وقانوني بالغ، موضحًا أن موقف الشريعة الإسلامية صريح ومباشر في التفريق بين البيع والمحرم إجماعًا، وبين التبرع المأذون به وفق ضوابط واشتراطات صارمة تُعلي من قيمة الإنسان وتمنع استغلال الفقراء.
حرمة بيع الأعضاء البشرية
وأوضح الدكتور محمد مختار جمعة، في بيان له، أنه في الفتاوى والقضايا المستجدة ذات الطابع الطبي، فإن القاعدة الأصولية تقضي بضرورة الاستماع إلى رأي العلم والأطباء أولاً، ليتأسى عليه الحكم الشرعي والفقهي بما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، مشيرًا إلى أن علماء الأمة اتفقوا أجمعين على حرمة بيع الأعضاء البشرية مطلقًا، باعتبار أن جسد الإنسان ملكٌ للخالق وليس سلعة تجارية تُباع أو تُشترى.
التشريعات والقوانين الحاكمة
وأشار وزير الأوقاف السابق، إلى أن التشريعات والقوانين الحاكمة تخطو خطى الشريعة في هذا الصدد؛ حيث يجرم القانون بيع الأعضاء ويعاقب بالسجن المشدد الأطباء والمشاركين في أي عمليات من هذا النوع.
منع اتخاذ التبرع غطاءً خفياً للبيع
وفيما يتعلق بالتبرع بالأعضاء سواء من الأحياء أو المتوفين، أوضح الدكتور محمد مختار جمعة، أن الفريق المجيز للتبرع اشترط توافر حزمة من الضوابط الحاسمة لمنع اتخاذ التبرع غطاءً خفياً للبيع، ولعل أبرزها أن يثبت التقييم الطبي الفعلي عدم تضرر المتبرع صحيًا كالتأكد من سلامة الكلية الثانية أو جودة فص الكبد الباقي، فضلًا عن أنه يجب أن تدار جميع العمليات تحت إشراف طبي ورسمي كامل وموثق رسميًا، علاوة على حصر التبرع المباشر بين أفراد العائلة لانتفاء مظنة البيع بين الأصول والفروع، أو جعل التبرع العام للمستشفيات والمؤسسات الطبية لتوزيعه وفق قوائم أولويات عادلة ودون تخصيص لأسماء بعينها، إضافة إلى وضع تشريعات حاكمة تمنع استغلال العوز المادي أو حاجة الفقراء وتحويل أجسادهم إلى متجر للعمليات الطبية.
وأكد أن التطور الطبي المذهل في الآونة الأخيرة يفرض ألا يكون التبرع بالأعضاء هو الحل الأول أو الوحيد، وإنما الخيار الأخير بعد استنفاد كافة البدائل العلاجية والتقنيات الحديثة، مثل العلاجات الدوائية، والتدخلات الكيميائية والإشعاعية، وتقنيات الخلايا الجذعية، بما يضمن صيانة كرامة الإنسان وتجنب الممارسات التي قد تُفتح بها أبواب الاستغلال.

