شهد معرض دمنهور التاسع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب بمكتبة مصر العامة بدمنهور، تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، ندوة بعنوان «المكتشفات الأثرية الحديثة بمحافظة البحيرة»، بمشاركة الدكتور علاء رجب النحاس، مدير الوعي الأثري بالبحيرة، والدكتور أحمد محمد نعيم، مفتش الآثار، والدكتورة زينب يحيى، وبكلمة للدكتور خالد فرحات، مدير عام آثار البحيرة.
واستهل الدكتور خالد فرحات الندوة بالحديث عن الأهمية الأثرية لمحافظة البحيرة، وجهود وزارة السياحة والآثار في تنفيذ أعمال الحفائر العلمية والكشف عن المواقع الأثرية، مؤكدًا أن المحافظة تتمتع بثروة أثرية متنوعة تعكس امتداد الاستيطان البشري بها عبر عصور تاريخية متعاقبة.
وتحدث الدكتور علاء رجب النحاس عن الأهمية الأثرية للمحافظة، موضحًا أن البحيرة تضم عددًا كبيرًا من التلال والمواقع الأثرية التي تعود إلى عصور مختلفة، بدءًا من العصور الحجرية مرورًا بالعصور التاريخية، وهو ما يجعلها من المناطق الغنية بالتنوع الحضاري والأثري.
وأشار إلى أن المحافظة تضم نماذج متعددة من الآثار الدينية، من بينها معابد كوم تروجي بمركز أبو المطامير، ومعبد حصن الأبقعين بمركز حوش عيسى، وآثار نقراطيس القديمة بمركز إيتاي البارود، إلى جانب الآثار الجنائزية، ومنها مقبرة «خسو-ور» بتل آثار كوم الحصن بمركز كوم حمادة.
وأوضح أن المواقع الأثرية بالبحيرة لا تقتصر على المنشآت الدينية والجنائزية، وإنما تشمل أيضًا آثار الحياة اليومية، مثل المنشآت السكنية والاقتصادية والصحية، بما يقدم صورة متكاملة عن طبيعة الحياة التي عاشها سكان المنطقة في العصور القديمة.
وأكد النحاس أن البحيرة تتميز كذلك بثراء واضح في الآثار الإسلامية والقبطية، مشيرًا إلى مدينة رشيد باعتبارها واحدة من أهم المدن التراثية في مصر، وما تضمه من كنوز معمارية إسلامية، حيث تحتل المرتبة الثانية بعد القاهرة من حيث عدد الآثار الإسلامية القائمة، ومن بينها 22 منزلًا أثريًا و11 مسجدًا وزاوية، بالإضافة إلى طاحونة أبو شاهين وحمام عزوز وبوابة وجزء من سور رشيد القديم، فضلًا عن تل أبو مندور وقلعة قايتباي.
وأشار إلى أن المحافظة تضم أيضًا إحدى محطات رحلة العائلة المقدسة في وادي النطرون، الذي يزخر بعدد من الأديرة التاريخية، ومنها دير الأنبا مقار، ودير السريان، ودير البراموس، ودير الأنبا بيشوي.
وأكد مدير الوعي الأثري أن هذا التنوع، إلى جانب قدم المواقع والتلال الأثرية، يجعل محافظة البحيرة مؤهلة لحضور أكبر على خريطة السياحة الثقافية، مشددًا على أهمية أعمال الحفائر العلمية التي تنفذها وزارة السياحة والآثار، بمشاركة مفتشي الآثار وأخصائيي الترميم بمنطقة آثار البحيرة، للكشف عن تاريخ المواقع والحفاظ على مكتشفاتها.
ولفت إلى أن حجم المكتشفات الأثرية وتنوعها يفرضان الحاجة إلى إنشاء متحف قومي للبحيرة، ليكون نافذة لعرض تراث المحافظة وتعريف المواطنين والزائرين بتاريخها الحضاري.
من جانبها، استعرضت الدكتورة زينب يحيى أهمية موقع تل الأبقعين بمنطقة حوش عيسى، موضحة أنه يمثل أحد المواقع الأثرية المهمة التي تكشف جانبًا من منظومة الدفاع عن الحدود الغربية لمصر القديمة.
وأوضحت أن الموقع كان حصنًا عسكريًا شُيد في عهد الملك رمسيس الثاني، ضمن سلسلة من المنشآت والحصون التي أقيمت على الحدود الغربية للدلتا لتأمين البلاد ومواجهة الأخطار القادمة من القبائل الليبية، فضلًا عن التهديدات المرتبطة بشعوب البحر.
وأشارت إلى أن أعمال الحفائر كشفت عن تخطيط معماري متكامل يعكس طبيعة الحياة العسكرية والإدارية داخل الحصن، حيث عُثر على ثكنات للجنود ووحدات سكنية وصوامع لتخزين الغلال وآبار، إلى جانب معبد ملحق بالحصن مخصص للعبادة.
وأضافت أن الشواهد الأثرية تشير إلى ارتباط المعبد بعبادة ثالوث منف المقدس، المتمثل في الإله بتاح والإلهة سخمت وابنهما نفرتوم، كما كشفت أعمال التنقيب عن مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، من بينها الجعارين والتمائم واللقى الفخارية والأدوات البرونزية والكتل الحجرية المنقوشة التي تحمل ألقابًا ونصوصًا ملكية.
وأكدت أن أهمية تل الأبقعين تتجاوز كونه موقعًا أثريًا، إذ يمثل شاهدًا على الدور العسكري والاستراتيجي لمنطقة غرب الدلتا في حماية حدود مصر خلال عصر الدولة الحديثة.
وفي السياق ذاته، تحدث الدكتور أحمد محمد نعيم عن المكتشفات الأثرية بمركز أبو حمص، ونتائج أعمال الحفائر في تل آثار كوم عزيزة، موضحًا أن أقدم طبقة أثرية تم الوصول إليها تعود إلى عصر الدولة القديمة، وتحديدًا الأسرتين الأولى والثانية، حيث عُثر على عدد من العناصر الأثرية التي تؤرخ لهذه الفترة، من بينها دفنات آدمية.
وأوضح أن جزءًا من الموقع استُخدم كجبانة، وكشفت الحفائر عن نماذج متعددة من طرق وطرز الدفن، سواء داخل توابيت برميلية أو باستخدام الأمفورات في تشكيل مقابر ذات طرز مختلفة، إلى جانب تنوع أوضاع الدفن.
وأشار إلى أهمية دراسة العظام الآدمية والحيوانية في علم الآثار، لما يمكن أن توفره من معلومات حول الجنس والعمر والأمراض وأسباب الوفاة، وغيرها من التفاصيل المتعلقة بحياة المجتمعات القديمة.
ولفت إلى أن الموقع هُجر خلال عصر الدولة الوسطى، قبل أن يعاد استيطانه في العصرين البطلمي والروماني، بما يعكس استمرار أهمية المنطقة عبر فترات تاريخية مختلفة.
وشدد نعيم على أن أعمال الحفائر الأثرية اختصاص أصيل للمجلس الأعلى للآثار، وتتم وفق مناهج علمية دقيقة تحافظ على المواقع الأثرية الثابتة، وتضمن سلامة الآثار المنقولة عند استخراجها.
وحذر المواطنين من الانسياق وراء أوهام الثراء السريع وأعمال الدجل والتنقيب غير الشرعي، مؤكدًا أن هذه الممارسات قد تعرض أصحابها للنصب والاحتيال، فضلًا عن المساءلة القانونية.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية مواصلة أعمال الحفائر والتوثيق والحفاظ على التراث الأثري بمحافظة البحيرة، وتعزيز الوعي بقيمته التاريخية، بما يسهم في حماية المكتشفات وإبراز المكانة الحضارية والسياحية للمحافظة.