قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: سيف يردع وتنمية تصون.. أكتوبر المجيد بين رسوخ العقيدة وحكمة البناء

د. عصام محمد عبد القادر
د. عصام محمد عبد القادر

صيحات التكبير الخالدة زلزلت حصون المعتدي وأربكت صفوفه المذعورة لتصنع نصرًا مؤزرًا لوطن يرفض الضيم والخضوع لمحتل غاشم في ملحمة كبرى سطرها البواسل بدمائهم الطاهرة وحفرتها سجلات المجد بأحرف مضيئة تأبى النسيان وتتوارثها الأجيال المتعاقبة وكأنها واقعة نشهدها اللحظة يتداولها الكافة والنخبة باعتزاز وفخر، وتقف العقول مبهورة حيال مآثر وتقنيات حربية تقارب الخوارق؛ فاسترجع المصريون إيمانهم المطلق بقدراتهم الذاتية وبقواتهم المسلحة واستردت الكنانة مكانتها الرفيعة وريادتها المعهودة بين الأمم وتعاظمت سطوتها في نفوس خصومها حتى أمست رعبًا يسري في عروقهم كلما راودتهم مجرد فكرة لمجابهة هذا المارد الجسور الذي لا يقهر.

شعوب العالم قاطبة أدركت يقينًا أن الوئام القائم على قوة رادعة أفضل وأدوم من استكانة تبنى على خنوع وتراجع؛ ولذا أسفرت ثمار العبور العظيم عن تأكيد راسخ بأن عشق الكنانة وأبنائها للتعايش السلمي لا يحمل في طياته أي تفريط في ذرة تراب واحدة؛ فهذا المجتمع الأبي بنسائه ورجاله برهن على عظمته عبر محطات الزمان؛ فمنح قواته المسلحة أسمى صور المآزرة والتلاحم وبرزت طوابير المتبرعين بأرواحهم وأموالهم ودمائهم لتوفير العناية الشاملة وتضميد الجراح حبًا في تراب هذا البلد، وتأكيدًا على أن التضحية من أجل بقائه تعد شرفًا يبتغيه كل مواطن حر.

تلاحم إرادة المجتمع المصري العريق وصموده العنيد مع جيشه الشجاع والمقدام إبان معارك العاشر من رمضان بعث الطمأنينة في نفوس المرابطين على خطوط النار، وأوقد في أرواحهم شعلة الرجاء واليقين بالظفر الساحق وشد من أزرهم وحفزهم للزحف صوب بلوغ الهدف المنشود، وهو المشهد ذاته الذي نلمسه واقعًا في كافة المحن الشديدة أو العقبات أو المزالق أو النوازل التي تجابهها بلادنا؛ فجميع الفئات تقف في خندق واحد وتصطف خلف مؤسساتها وقيادتها وقواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية، لنبرهن للمجتمع الدولي بأسره أن كنانة الله تظل صامدة أبية وقادرة على قهر المستحيل.

صيغت أمجاد العبور العظيم على قواعد إيمانية خالصة وتخطيط استراتيجي محكم؛ فالمؤسسة العسكرية العريقة تكفلت بإعداد الجندي المغوار من النواحي النفسية والبدنية والروحية العميقة ليمحو النور دياجير الباطل ويدفع غائلة المعتدين؛ فاستقر في الوجدان الجمعي أن الشهادة في سبيل هذا المطلب أمنية غالية يرتجيها ويهفو إليها، ولأجل ذلك انهارت دفاعات الخصم المادية وضعفت همته وتبدد طموحه الزائف وسقطت حججه الواهية وتيقن من الخسران المبين، الذي أسقط ترتيباته التوسعية.

مراسم ابتهاجنا الدائم واعتزازنا العميق بذكرى ملاحم التحرير وتباهينا بالبطولات الخالدة التي أنجزتها قواتنا المسلحة الباسلة وحجم انعكاساتها الممتدة على الإقليم والمجتمع الدولي قاطبة يحفزنا باستمرار على استحضار سير صناع النصر؛ تلك الهامات الشامخة التي نهضت بمسؤولياتها الجسيمة على أتم وجه وأنجزت بشجاعة فائقة جميع ما أنيط بها من تكليفات عظيمة ووصلت حد إنكار الذات سعيًا وراء إدراك الفوز المبين الذي تفضل الخالق به علينا ومَنَّ به على أمتنا.

أدوار فرسان المعركة الخالدة شاركت في تبديل العقيدة القتالية التي استندت إلى خرافة واهمة روجت حينها لوجود فصيل مسلح يستحيل قهره، وأن الحصون المنيعة لا يخترقها منازع مهما امتلك من سلاح وإرادة؛ بيد أن شجعان الكنانة دمروا وأسقطوا ونسفوا هاتيك الافتراءات وأناروا البصائر ودعموا العقول ببيان اليقين والحق المبين بأن قدرة الخالق تعلو فوق مكر الغاصبين، وأن الفرج مرهون بثبات اللحظة، وأن التوفيق يصاحب الأتقياء الذين أخذوا بالأسباب واعتمدوا على ربهم وسبق لهم تجهيز عتادهم لسحق المعتدي المتغطرس؛ فأصبح المدد الإلهي رفيقًا لمقاتلين أعلوا لواء العدل وتاج الشموخ والكبرياء.

فداء المهج الطاهرة لم تقف نتائجه المبهجة عند محطة بلوغ الظفر الساحق وإذاقة الخصم مرارة الانكسار العنيف، وإنما ألزمته بالرضوخ لدعوات السلام، وأن يدرك يقينًا أن جنود المحروسة وأبطالها لا يهابون الردى ولا يتشبثون بالبقاء المهين؛ فمكانة الوطن ونصرته وعلو شأنه وكبريائه تهون دونها الأرواح، وتلك الحقيقة الخالصة تخلو من الغلو؛ فمواقف البواسل أنجزت تسويات معقدة غابت عن حسابات جميع المتورطين؛ ففرضت مسارات التهدئة وجلسات الحوار وأقرت الاتفاقيات التي تكفل المطالب العادلة ولا تتخطاها مطلقًا مهما اختلفت الظروف المتبدلة في محيطنا الإقليمي والدولي.

متطلبات الاستقرار الشامل تستدعي على غرار أوقات المواجهات العسكرية ضرورة التكاتف والترابط والاصطفاف الوطني المطلق؛ فإنجاز مسارات الارتقاء والنهوض الحضاري يعتمد بالضرورة على سواعد كافة أبناء الأمة بلا استثناء، كما أن مشاريع البناء والتعمير بكافة أشكالها ووسائلها الحيوية تضمن الحماية الشاملة للبلاد بجميع مقاييسها الاستراتيجية؛ فشبه جزيرة سيناء دون أدنى شك تعد هدفًا للعدو دون مواربة، ومن غاياته التوسعية الملحة في الوقت الراهن وفي الأيام القابلة، ولأجل ذلك يتحتم الوعي الكامل واليقظة الدائمة والاستعداد المستمر لحماية هذه البقعة الغالية من أي مساس يعكر صفو أمنها.

حالة الاحتشاد الميداني الذي أنتجته معارك العبور العظيم لا تنفك شواهده الإيجابية جلية في همة وعزيمة وإرادة أبناء الكنانة على مستوى القاعدة الجماهيرية والنخبة الحاكمة والمؤسسات القومية الشامخة؛ فنشاهد بوضوح أن مساعي إنجاز النمو المستمر في درة الشرق باتت قطوفها دانية ومثمرة؛ فهنالك الكثير من المبادرات التي أطلقت بنجاح في أرجاء سيناء العزيزة بشطريها الشمالي والجنوبي، لتعكس إرادة قوية ترنو إلى تحويل رمال الصحراء إلى واحات خضراء تنبض بالحياة المتجددة وتزخر بالفرص الواعدة التي تضمن مستقبلًا مشرقًا للأجيال الصاعدة الباحثة عن بيئة أرحب للعمل والإنتاج المثمر.

عين المتأمل في مجريات الأحداث المتعاقبة داخل هذه البقاع الطاهرة يلحظ تحولات نادرة الحدوث على مختلف الأصعدة المجتمعية والمالية والمعرفية الشاملة؛ فظهرت علامات التطور المقترنة بالتشييد ناصعة بقوة في كلا النطاقين الشمالي والجنوبي؛ فأضحت هناك أساليب من الزراعة المتطورة وتوطئة لتبادل تجاري دولي واسع ورواج سياحي استثنائي في درة التاج المصري لا يضاهيه مثيل في المعمورة قاطبة، وهذا المسار يبشر بطفرة نوعية تنعكس إيجابًا على مستوى المعيشة وتفتح نوافذ الأمل لشباب طامح في اقتناص مكتسبات هذا الحراك التنموي الهائل، الذي يعيد صياغة خريطة الموارد الوطنية بصورة فنية متقنة.

استدامة الجهود المخلصة لرفعة الموطن تشكل امتدادًا أصيلًا لروح الانتصار الفريد؛ فالدماء الزكية التي روت أرض الفيروز ماضيًا أنبتت حاضرًا نهضة شاملة تفيض بالرخاء؛ لتظل تلك الملحمة العسكرية نبراسًا يرشد النشء نحو دروب التفوق، وتدفعنا قُدُمًا صوب التمسك بتماسكنا لاجتياز أي صعاب محتملة، ليغدو هذا البلد صرحًا مهيبًا يمزج بين بأس يصون المقدرات وسواعد تشيد معالم الرقي، بما يكفل استمرار هيبتنا ساطعة في سماء العزة أبد الدهر.