قال اللواء دكتور مهندس أيمن محمد إبراهيم سليمة الخبير العسكري المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إن حرب أكتوبر 1973 تظل نموذجًا مهمًا في التخطيط العسكري ليس فقط لأنها حققت انتصارًا عسكريًا، وإنما لأنها قامت على تحديد دقيق للهدف وربطه بالغاية السياسية، وهو ما جعلها تُدرس في المؤسسات والمعاهد العسكرية حتى اليوم.
وأوضح اللواء سليمة - في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط - أن أحد أهم عناصر نجاح حرب أكتوبر تمثل في أن القيادة المصرية لم تضع هدفًا يفوق قدراتها العسكرية، فلم يكن الهدف هو استعادة شبه جزيرة سيناء بالكامل في الساعات الأولى، وإنما عبور قناة السويس والاستيلاء على عمق محدود يتراوح بين 10 و15 كيلومترًا، بما يسمح بتوفير مظلة دفاع جوي للقوات، ثم نقل هذه المظلة تدريجيًا إلى الضفة الشرقية والتوسع في العمق وفقًا لتطور الموقف.
وأضاف أن هذه الرؤية عكست عقيدة قتالية تكونت لدى القوات المسلحة المصرية عقب حرب 1967، تقوم على ضرورة استعادة الأرض، مع إدراك حدود الإمكانيات المتاحة في ذلك الوقت، مشيرًا إلى أن استعادة سيناء بالكامل عسكريًا كانت ستتطلب الوصول إلى عمق إسرائيل، وهو ما كان سيجعل الموقف أكثر تعقيدًا في ظل الدعم الأمريكي والأوروبي لإسرائيل.
وأشار إلى أن الهدف من العمليات العسكرية كان تحقيق إنجاز عسكري يمكن البناء عليه سياسيًا، بحيث تدخل مصر إلى طاولة المفاوضات وهي تمتلك ورقة قوة حقيقية، تتمثل في عبور القناة وتحطيم خط بارليف والاستيلاء على جزء من سيناء.
وأكد أن التخطيط لحرب أكتوبر لم يقتصر على الجانب العسكري، وإنما شاركت فيه عناصر متعددة، من بينها الاقتصاد الذي جرى توجيهه لخدمة المجهود الحربي، إلى جانب خطة الخداع الاستراتيجي التي وصفها بأنها من أبرز نماذج الخداع العسكري التي لا تزال محل دراسة في المؤسسات والمعاهد العسكرية.
وأوضح اللواء أيمن سليمة أن خطة الخداع الاستراتيجي شاركت فيها مختلف أجهزة الدولة، بما في ذلك القوات المسلحة ووسائل الإعلام والإذاعة والتليفزيون، بهدف ترسيخ انطباع لدى إسرائيل بأن مصر غير قادرة على خوض حرب، بالتزامن مع إجراءات التعبئة والاستعداد الفعلي للعمليات.
وأوضح أن تكرار استدعاء قوات الاحتياط وإجراء التدريبات والمناورات كان جزءًا من خطة الخداع، إذ اعتاد الجانب الإسرائيلي على اعتبار هذه الإجراءات نمطًا متكررًا لا يعني بالضرورة قرب اندلاع الحرب، وهو ما ساعد على إخفاء موعد العملية الحقيقية.
وتابع اللواء أيمن سليمة أن اختيار توقيت الحرب كان أحد عناصر نجاحها، إلى جانب الدعم العربي الكبير الذي حصلت عليه مصر وسوريا خلال الحرب، مؤكدًا أن حرب أكتوبر لم تكن جهدًا مصريًا أو سوريًا منفردًا، وإنما شهدت مشاركة وإسنادًا من عدد من الدول العربية.
وأوضح أن الجبهة السورية واجهت هجومًا إسرائيليًا مضادًا قويًا، وأن مشاركة دول عربية، من بينها العراق والسعودية والمغرب والجزائر والأردن، أسهمت في دعم الجبهة السورية والتصدي للهجوم الإسرائيلي.
وأشار إلى أن هذا الدعم العربي مثل ، أحد أهم عناصر القوة التي صاحبت حرب أكتوبر، معتبرًا أن تجربة الحرب أثبتت أهمية التعاون والتنسيق بين الدول العربية في مواجهة التحديات المشتركة.
وفيما يتعلق بالقيادة السياسية خلال حرب أكتوبر، قال اللواء أيمن سليمة إن الرئيس الراحل محمد أنور السادات لم يكن هدفه من الحرب القضاء على إسرائيل أو استعادة سيناء بالكامل بالعمل العسكري وحده، وإنما كان يسعى إلى تحقيق إنجاز عسكري يمكنه من الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة.
وأضاف أن الرئيس السادات كان يدرك أن تحقيق جزء من الهدف العسكري وامتلاك ورقة تفاوضية أفضل من الدخول في حرب مفتوحة لا تتناسب مع الإمكانيات المصرية في ذلك الوقت، مشيرًا إلى أن القيادة السياسية كانت تضع في حساباتها أيضًا احتمالات تدخل الولايات المتحدة ودعمها لإسرائيل.
وأكد أن هذا الفهم ظهر بوضوح بعد تطورات الحرب، حيث انتقلت مصر من العمليات العسكرية إلى المسار السياسي عندما أصبح استمرار القتال في ظل التدخل الأمريكي المباشر لا يخدم الهدف الاستراتيجي للحرب.
وقال اللواء أيمن سليمة إن الرئيس السادات امتلك القدرة على اتخاذ قرار الحرب، وفي الوقت نفسه امتلك القدرة على اتخاذ قرار السلام، وهي نقطة مهمة في تقييم نتائج حرب أكتوبر، موضحًا أن الحرب كانت وسيلة لتحقيق غاية سياسية وليست هدفًا في حد ذاتها.
وأشار إلى أن نجاح القوات المسلحة في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف كان نتيجة التخطيط الدقيق والاستفادة من عناصر المفاجأة، ومن بينها استخدام خراطيم المياه في فتح ثغرات بالساتر الترابي، وهي الفكرة التي ارتبطت باللواء الراحل باقي زكي يوسف.
وأوضح أن سرعة فتح الثغرات في الساتر الترابي ساعدت على تمكين القوات المصرية من عبور القناة ودفع الدبابات والمعدات إلى الضفة الشرقية في وقت أقصر مما كان يتوقعه الجانب الإسرائيلي.
وأضاف اللواء أيمن سليمة، أن استخدام الصواريخ المضادة للدبابات، إلى جانب منظومة الدفاع الجوي، مثل أحد أبرز مظاهر نجاح القوات المصرية في التعامل مع التفوق الإسرائيلي في التكنولوجيا والتسليح.
ولفت إلى أن إسرائيل كانت تتمتع بتفوق في عدد ونوعية الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، بينما امتلكت القوات المصرية عناصر قوة أخرى تمثلت في التفوق البشري، والروح المعنوية، والعقيدة القتالية، والتدريب، والقدرة على تنفيذ الخطة الموضوعة.
وأكد أن تنوع مصادر التسليح أصبح لاحقًا عنصرًا مهمًا في بناء القوة العسكرية المصرية، مشيرًا إلى أن امتلاك السلاح لا يمثل وحده معيار القوة، وإنما تتحدد فاعليته بقدرة المقاتل على استخدامه، وبالعقيدة التي تحكم أداء القوات المسلحة.
وفي تقييمه لقدرة الردع المصرية حاليًا، قال اللواء أيمن سليمة إن حرب أكتوبر أسهمت في ترسيخ معادلة ردع جعلت الدخول في صراع عسكري مباشر مع مصر أمرًا بالغ الصعوبة، مشددًا على أن قوة الدولة لا ترتبط بالتسليح وحده، وإنما أيضًا بتماسك جبهتها الداخلية.
وأوضح أن تماسك المجتمع يمثل عنصرًا أساسيًا في قوة الدولة، مشيرًا إلى أن تفكك النسيج الداخلي في بعض الدول العربية أدى إلى إضعاف قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية.
وأضاف أن مصر تتمتع بعناصر قوة متعددة، تشمل التسليح والتدريب والقدرات البشرية والخبرات المتراكمة، إلى جانب العقيدة القتالية، معتبرًا أن هذه العناصر تجعل القوات المسلحة المصرية عنصرًا مهمًا في منظومة الأمن العربي.
وأشار إلى أن زيادة الاهتمام بتطوير القدرات العسكرية خلال السنوات الماضية تعكس، من وجهة نظره، رؤية استشرافية للتحديات المستقبلية، موضحًا أن تكلفة الحصول على بعض منظومات التسليح تتزايد بمرور الوقت، وهو ما يجعل الاستثمار المبكر في القدرات الدفاعية أكثر أهمية.
وقال إن التعاون والتدريب المشترك مع دول مختلفة يمثل مؤشرًا على مكانة القوات المسلحة المصرية، مشيرًا إلى أن الدول القوية تحرص على بناء شراكات عسكرية وتدريبات مشتركة مع نظيراتها للاستفادة من الخبرات وتبادل المعرفة.
وأكد أن "العالم لا يعرف إلا لغة القوة"، موضحًا أن امتلاك الدولة لعناصر القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية يعزز قدرتها على حماية مصالحها والحفاظ على أمنها واستقرارها.
وحذر من أن التحديات التي تواجه مصر لا تقتصر على اتجاه استراتيجي واحد، وإنما تمتد إلى عدة اتجاهات، في ظل التطورات الإقليمية المحيطة بالحدود المصرية، سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب، فضلًا عن التطورات في منطقة البحر الأحمر وباب المندب.
وأوضح أن مصر تتحمل مسؤوليات أمنية كبيرة في محيطها الإقليمي، خاصة في ظل الأوضاع غير المستقرة في بعض دول الجوار، مؤكدًا أن حماية الأمن القومي المصري تتطلب الاستمرار في بناء القدرات العسكرية والحفاظ على جاهزية القوات المسلحة.
وفي رسالة إلى الشعب المصري، قال اللواء أيمن سليمة إن الأمن والاستقرار الذي تنعم به مصر لا يمكن تقديره بثمن، داعيًا إلى إدراك حجم المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة وما تفرضه من تحديات.
وأضاف أن مصر تواجه ضغوطًا اقتصادية نتيجة التغيرات العالمية واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار، إلا أن الدولة، بحسب رؤيته، تواصل تطوير قدراتها والإنتاج والتقدم، مع الحفاظ على أمنها واستقرارها.
وأكد أن الحفاظ على تماسك الدولة والمجتمع يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار، مشددًا على أن قوة مصر العسكرية تظل مرتبطة بقوة جبهتها الداخلية وقدرتها على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
من جانبه أكد اللواء أركان حرب عادل العمدة، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية وروح أكتوبر متلازمان ومستمرتان فأهمية هذا الإنجاز لا تكمن في المبنى باعتباره منشأة ضخمة وإنما في ما يمثله من بنية للقيادة والسيطرة وإدارة المعلومات والأزمات ، فالأمن القومي الحديث يحتاج إلى القدرة على جمع المعلومات وتحليلها وربط المؤسسات المعنية وسرعة اتخاذ القرار، واستمرار عمل الدولة في مواجهة الأزمات والتهديدات المختلفة .
وأضاف اللواء عادل العمدة - في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط - أن هناك رابطًا واضحا بين القيادة الاستراتيجية للدولة وروح أكتوبر؛ فحرب أكتوبر نفسها كانت نموذجًا للتخطيط الدقيق، والخداع الاستراتيجي، والتنسيق بين الأسلحة، وتحقيق المفاجأة، وإدارة المعركة وفق أهداف سياسية وعسكرية محددة.
وقال اليوم تغيرت طبيعة المعركة قد تبدأ المواجهة بصاروخ أو مسيرة أو هجوم سيبراني أو حرب معلومات قبل أن تتحول إلى مواجهة عسكرية تقليدية وبالتالي فإن امتلاك منظومة قيادة استراتيجية قادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات يمثل جزءًا أساسيا من حماية الأمن القومي.
وأضاف اللواء عادل العمدة أن روح أكتوبر موجودة بالفعل لكن أدواتها تغيرت، ففي 1973 كانت روح أكتوبر تعني عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، أما اليوم فهي تعني امتلاك القدرة على حماية الدولة، وتأمين حدودها ومصالحها وامتلاك التكنولوجيا والمعلومات والجاهزية والاستعداد والكفاءة وحرية القرار السياسي ، فالمسؤول يقسم بالله العلي العظيم ثلاثا على أن يحافظ مخلصا على النظام الجمهورى وان يحترم الدستور والقانون وان يرعى مصالح الشعب رعاية كاملة وأن يحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة اراضيه.
وشدد على أن الرسالة الأهم، هي أن نصر أكتوبر لم يكن نهاية معركة وإنما بداية لعقيدة مستمرة عنوانها أن الأمن القومي لا يُحمى بالتمنيات وإنما بالقوة والجاهزية والوعي وحسن إدارة الدولة لمصادر قوتها ومواردها لتحقيق التنمية بمعانيها المختلفة.