هناك أيام لا تمر على ذاكرة الأوطان، بل تعبر إلى أعماقها وتبقى هناك، كأن الزمن كلما حاول أن يطويها أعاد فتح صفحاتها من جديد، وفي مقدمة هذه الأيام يقف السادس من أكتوبر 1973، يوم لم تكن فيه مصر تعبر قناة السويس وارجاع سيناء فقط، وإنما كانت تعبر من ضفة الهزيمة إلى ضفة جديدة من التاريخ.
كان المشهد أكبر من أن تختصره صور الجنود وهم يرفعون العلم، أو أصوات البيانات العسكرية التي بشرت بالعبور، خلف تلك اللحظة كانت سنوات من الألم والاستعداد والتخطيط، وكان هناك رئيس اسمه أنور السادات أدرك أن استعادة الأرض لن تكون بالأمنيات، وأن التاريخ لا يمنح انتصاراته لمن ينتظرها، وإنما لمن يستعد لها ويملك شجاعة اتخاذ القرار، ولم يبدأ السادس من أكتوبر يوم السادس من أكتوبر، فالحرب الحقيقية بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما أعادت مصر بناء قواتها المسلحة، واستوعبت دروس يونيو، وأعادت تنظيم صفوفها، ووضعت هدف العبور أمامها رغم صعوبة المهمة، ولهذا كان النصر في جوهره نتيجة تراكم طويل من العمل، وليس مجرد لحظة مفاجئة على ساعة التاريخ، وهنا تكمن إحدى أهم رسائل أكتوبر التي تستحق أن نتوقف أمامها بعد 53 عامًا، الانتصار لا يصنعه الحماس وحده، وإنما يصنعه الإعداد.
لقد كان قرار السادات بالحرب جزءًا من منظومة متكاملة، انتهت في السادس من أكتوبر إلى عبور القوات المصرية قناة السويس وتحطيم خط بارليف، ثم انتقلت المعركة من ساحات القتال إلى ساحات السياسة والدبلوماسية، وهكذا لم يكن أكتوبر نهاية قصة، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر والمنطقة، واليوم، عندما يستحضر الرئيس عبد الفتاح السيسي ذكرى أكتوبر، فإنه يعيد التذكير بهذا المعنى تحديدًا؛ فالنصر الذي تحقق في 1973 لم يكن وليد المصادفة، وإنما كان ثمرة سنوات من العمل والإعداد والإيمان بالقدرة على الإنجاز.
وهذا المعنى يجعل ذكرى أكتوبر في 2026 مختلفة في دلالتها؛ فمصر لا تستعيد صورة الماضي لمجرد الاحتفال به، وإنما تستدعي الدرس الذي حمله ذلك الماضي إلى الحاضر، أن الدول التي تريد تحقيق أهدافها لا تنتظر الظروف المثالية، وإنما تصنع قدرتها على مواجهة الظروف.
السادات.. قرار الحرب الذي غيّر وجه التاريخ
في أعقاب نكسة يونيو 1967، كانت مصر أمام واقع شديد الصعوبة، أرض محتلة، وشعب يحمل مرارة الهزيمة، ومنطقة بأكملها تعيش على وقع صراع مفتوح، لكن الهزيمة لم تتحول إلى استسلام، وبدأت مصر إعادة بناء قواتها المسلحة، وخاض الجيش المصري حرب الاستنزاف، وتراكمت الخبرات والقدرات، بينما ظل هدف استعادة الأرض حاضرًا في العقل المصري.
وعندما تولى أنور السادات مسؤولية البلاد، كان أمامه ملف شديد التعقيد، لم يكن المطلوب مجرد اتخاذ قرار بالحرب، وإنما اختيار التوقيت، وإدارة الخداع الاستراتيجي، والاستعداد للنتائج السياسية التي ستترتب على أي تحرك عسكري، ومن هنا جاءت أهمية السادس من أكتوبر؛ فقد أثبتت مصر أن الفارق بين المستحيل والممكن قد يكون سنوات من التخطيط والعمل، ولم تكن لحظة العبور وليدة غضبة عابرة، بل كانت حصيلة إعداد طويل جعل القوات المسلحة قادرة على تنفيذ المهمة في اللحظة التي صدر فيها القرار.
من عبور القناة إلى عبور المستقبل
ربما تغيرت طبيعة التحديات، لكن جوهر الدرس لم يتغير، وفي 1973 كان الهدف العسكري والسياسي هو استعادة الأرض وفرض واقع جديد بعد سنوات من الاحتلال، أما اليوم، فإن التحديات التي تواجه الدولة المصرية تنتمي إلى مجالات مختلفة من الاقتصاد إلى التنمية والصناعة والتكنولوجيا والأمن القومي، وتوفير حياة أفضل للمواطنين، ولهذا تأتي أهمية استحضار روح أكتوبر في خطاب الرئيس السيسي، فحين تتحول ذكرى الحرب من مجرد احتفال سنوي إلى قيمة مرتبطة بالعمل والإعداد والتخطيط، فإن أكتوبر يصبح حاضرًا في حياة الأجيال الجديدة بطريقة مختلفة، وجيل أكتوبر لم يكن يمتلك رفاهية انتظار اللحظة المناسبة، لكنه صنع اللحظة بالإعداد لها، وهذه ربما واحدة من أهم الرسائل التي يمكن أن تحملها الذكرى اليوم لا توجد دولة تبني مستقبلها بالأمنيات، ولا مشروع وطني ينجح من دون عمل طويل وصبر وإصرار.
من السادات إلى السيسي.. تغيرت الظروف وبقي الدرس
ليس المقصود مقارنة زمنين مختلفين أو وضع تجربتين سياسيتين وعسكريتين في كفة واحدة، فلكل مرحلة ظروفها وتحدياتها وقراراتها، لكن هناك قيمة مشتركة يمكن أن تتجاوز اختلاف الأزمنة، وقيمة الدولة التي تستعد قبل أن تتحرك، وتخطط قبل أن تواجه، وتضع هدفها ثم تعمل من أجله، والراحل السادات واجه لحظة تاريخية فارقة، وكان عليه أن يتخذ قرارًا شديد الصعوبة بعد سنوات من الاحتلال.
أما الرئيس السيسي، فعندما يستحضر أكتوبر اليوم، فإنه يضع أمام المصريين نموذجًا تاريخيًا لما يمكن أن يحققه العمل المنظم عندما يقترن بالإرادة والقدرة على التنفيذ، وبين اللحظتين تمتد أكثر من خمسة عقود، تغير خلالها العالم والمنطقة، وتغيرت أدوات القوة نفسها، لكن بقيت قاعدة أساسية وهى أن القدرة لا تُمنح للدول مجانًا، وإنما تُبنى.
أكتوبر ليس ذكرى.. وإنما طريقة تفكير
ربما يكون أكبر خطأ هو أن نحصر أكتوبر في مشاهد العبور وحدها، أكتوبر كان قرارًا، وإعدادًا، وتخطيطًا، وتضحية، وإدارة للمعركة، ثم إدارة لما بعد المعركة، ولهذا فإن الاحتفال الحقيقي بالنصر لا يقتصر على استعادة صور الأبطال أو ترديد البيانات التاريخية، وإنما يبدأ من فهم كيف صنعت مصر ذلك الانتصار، واحتاج الجيش سنوات حتى يصبح مستعدًا للعبور، واحتاجت الدولة إلى رؤية واضحة حتى يتحول الهدف إلى خطة، واحتاج الجنود إلى إيمان كامل بأن المهمة، مهما بدت صعبة، يمكن تنفيذها، وهذه هي الرسالة التي يمكن أن تنتقل من أكتوبر 1973 إلى أكتوبر 2026، وهى أن الإنجاز الكبير يبدأ بفكرة، ثم يتحول إلى هدف، ثم إلى خطة، ثم إلى عمل، وفي النهاية يصبح واقعًا.
من ضفة القناة إلى ضفة المستقبل
بعد 53 عامًا، لا يزال العلم المصري الذي ارتفع فوق الضفة الشرقية للقناة يحمل أكثر من معنى، ويذكرنا بأن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن الدول قادرة على إعادة بناء نفسها عندما تمتلك الإرادة والإعداد، وأن التاريخ لا يتوقف عند لحظة سقوط، وإنما يمكن أن يبدأ من جديد، كان السادات أمام مهمة استعادة الأرض، فاختار أن يواجه التحدي بالإعداد ثم القرار، واليوم نستدعي روح أكتوبر وننظر إلى تحديات المستقبل.
وبين أكتوبر الأمس وأكتوبر اليوم، تتغير المعارك، وتتبدل الأدوات، وتتطور طبيعة التحديات، لكن يبقى الدرس ذاته، أن العبور الحقيقي لا يبدأ عندما تتحرك الجيوش فقط، وإنما عندما تؤمن الأمة بأنها قادرة على الوصول إلى الضفة الأخرى، ففي السادس من أكتوبر 1973 عبرنا قناة السويس وارجاع أرضنا وسيناء الغالية، والتحدي في كل أكتوبر جديد، يكمن في أن تواصل مصر عبور المستقبل بالإرادة نفسها، وبالعمل نفسه، وبالإيمان الذي جعل المستحيل يومًا حقيقة.
ويبقى أكتوبر شاهدًا على أن الأمم لا تصنع انتصاراتها بالأمنيات، وإنما بالإرادة والإعداد والعمل، وعبر السادات بمصر من الهزيمة إلى النصر، واليوم تستحضر مصر بقيادة الرئيس السيسي روح ذلك العبور وهي تمضي نحو المستقبل، فالقناة عَبَرَها المصريون ذات يوم، لكن عبور المستقبل لا يزال رحلةً مستمرة.. عنوانها وطن يعرف كيف ينتصر حين يؤمن بقدرته على الوصول.

