قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أمل منصور تكتب: جيل يشبه أكتوبر

د. أمل منصور
د. أمل منصور

هناك أيام تمرّ على الوطن، ثم تمضي، وهناك أيام لا تمرّ أبدًا؛ تبقى في الذاكرة، وفي الحكايات، وفي نبرة الصوت حين يتحدث الآباء عن لحظة شعروا فيها أن مصر كلها كانت تقف على قلب واحد. والسادس من أكتوبر واحد من تلك الأيام التي لا يكفي أن نتذكرها، بل يليق بنا أن نحتفل بها، وأن نحكيها لأبنائنا كما نحكي أجمل حكايات الوطن.

أكتوبر ليس مجرد تاريخ في التقويم، ولا صورة معلقة على جدار، ولا مشهد عبور انتهى بانتهاء الحرب. أكتوبر فرحة وطن استعاد ثقته بنفسه، وذاكرة جيل عرف معنى أن يلتقي الإيمان بالوطن مع الشجاعة والإرادة، فكان النصر.

وفي كل بيت مصري، هناك حكاية صغيرة تخص أكتوبر. أب يتذكر كيف كان يتابع الأخبار، وأم تتذكر خوفها وفخرها، وجدّ أو جدة ما زالت في ذاكرتها تفاصيل ذلك اليوم، وأبناء يسمعون للمرة الأولى حكاية النصر من الأشخاص الذين عاشوا مشاعرها. وهنا تبدأ مسؤولية جميلة لا علاقة لها بالواجبات اليومية، وإنما بالذاكرة والوجدان: أن تظل حكاية أكتوبر حية داخل الأسرة.

فالأب حين يحكي لأبنائه عن أكتوبر لا ينقل لهم معلومة تاريخية فقط، وإنما يمنحهم شيئًا من شعوره تجاه وطنه. والأم حين تحتفل معهم بالنصر، وتحدثهم عن أبطال مصر، فإنها تزرع في داخلهم معنى الانتماء بصورة قريبة من القلب. وبين الأب والأم يتشكل وعي الطفل الأول بأن الوطن ليس كلمة كبيرة بعيدة عنه، وإنما شيء نحبه ونفخر به ونشعر أننا جزء من حكايته.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا في ذكرى أكتوبر ألا نجعلهم يحفظون تاريخ النصر فقط، بل أن نجعلهم يشعرون به.

أن يعرفوا أن وراء هذا اليوم رجالًا وقفوا في أصعب اللحظات، وأن وراء كل بطولة إنسانًا آمن ببلده، وأن النصر لم يكن حلمًا مستحيلًا، وإنما نتيجة لإرادة لم تعرف الاستسلام.

نريد أن يسمع الطفل كلمة «أكتوبر» فتلمع عيناه بالفخر، لا أن يبحث فقط عن إجابة في كتاب. نريده أن يعرف أسماء أبطال بلده، وأن يسأل عن قصصهم، وأن يفهم لماذا يفرح المصريون بهذا اليوم، ولماذا تظل ذكراه حاضرة مهما مرت السنوات.

وهنا يأتي دور الأسرة كلها.

فالطفل لا يتعلم حب الوطن من الكلمات وحدها، وإنما من المشاعر التي يراها في عيون أبيه وأمه. حين يرى الأب يحتفل بالنصر وكأنه يتحدث عن يوم يخصه شخصيًا، وحين يسمع الأم تروي لأبنائها بفخر حكاية المصريين في أكتوبر، فإن الطفل يتعلم أن الانتماء شعور قبل أن يكون معلومة، وأن الوطنية ليست شعارًا نقوله، وإنما إحساس يسكن القلب.

وربما أجمل ما في أكتوبر أنه يمنح كل جيل فرصة للقاء بجيل سبقه.

يجلس الأب مع ابنه، والأم مع ابنتها، ويتحدثون عن مصر، عن الجنود، عن العبور، عن النصر، عن تلك اللحظة التي تغير فيها شعور المصري بنفسه وبوطنه. وفي هذا اللقاء الصغير تنتقل أشياء لا تستطيع الكتب وحدها أن تنقلها: الفخر، والاعتزاز، والامتنان، والإحساس بأننا أبناء وطن له ذاكرة عظيمة.

نحن لا نريد من أبنائنا أن يعيشوا الماضي، وإنما نريد أن يحملوا أجمل ما فيه إلى المستقبل.

نريد جيلًا يعرف أن مصر تستطيع، وأن المصري حين يؤمن بوطنه يستطيع أن يصنع فارقًا. جيلًا لا يرى أكتوبر مجرد ذكرى تخص أجداده، وإنما يرى نفسه امتدادًا لجيل صنع واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري الحديث.

جيلًا يشبه أكتوبر.

يشبهه في ثقته، وفي اعتزازه، وفي قدرته على تحويل الخوف إلى شجاعة، والحلم إلى حقيقة، والانتظار إلى لحظة انتصار.

وفي يوم السادس من أكتوبر، حين تلتقي الأسرة حول مائدة واحدة أو أمام صورة قديمة أو حكاية يرويها أحد الكبار، ربما لا نحتاج إلى الكثير من الكلمات. يكفي أن نقول لأبنائنا: «هذا يوم انتصرت فيه مصر»، ثم نترك في عيونهم مساحة ليشعروا بأنهم جزء من هذه الحكاية.

لأن الأوطان لا تحفظ انتصاراتها بالاحتفالات الرسمية وحدها، وإنما تحفظها حين تصبح هذه الانتصارات جزءًا من ذاكرة بيوتها، ومن حكايات آبائها وأمهاتها، ومن أسئلة أبنائها وفضولهم وفخرهم.

كل عام ومصر بخير، وكل عام وأكتوبر حاضر في قلوبنا، لا كذكرى من الماضي فقط، وإنما كحكاية جميلة نحكيها لأبنائنا، حتى يكبروا وهم يعرفون أن لهم وطنًا انتصر، وأن لهم في هذا الوطن حكاية، وأن أجمل ما يمكن أن يفعله جيل جديد هو أن يكون جديرًا باسم وطنه.

فليس المطلوب أن نعيد أكتوبر.وإنما أن نُخرج من أكتوبر جيلًا يشبهه.