بينما كانت المدافع تدوي على جبهة القتال، لم يكن جنود القوات المسلحة المصرية وحدهم في مواجهة العدو خلال حرب أكتوبر 1973، بل وقف إلى جوارهم علماء الأزهر الشريف، يحملون رسائل الإيمان والثبات، ويشاركون المقاتلين لحظات الصمود والتحدي، في مشهد جسّد تلاحم الشعب المصري بمؤسساته خلف الجيش في معركة استعادة الأرض والكرامة.
ومع استمرار احتفالات مصر بانتصارات أكتوبر المجيدة طوال شهر أكتوبر، وبعد إحياء الذكرى أمس الثلاثاء 6 أكتوبر، تتجدد اليوم، الأربعاء 7 أكتوبر، صفحات من تاريخ تلك الحرب، ومن بينها الدور الذي أداه علماء الأزهر في مساندة القوات المسلحة والمجتمع خلال واحدة من أبرز المحطات في التاريخ المصري الحديث.
علماء الأزهر بين الجنود على الجبهة
لم يكتفِ علماء الأزهر بإصدار البيانات أو إلقاء الكلمات من المساجد، وإنما توجه عدد منهم إلى الجبهة للقاء الضباط والجنود، ومشاركتهم ظروفهم، ورفع معنوياتهم، والتأكيد على قيم الصبر والثبات والتضحية من أجل الوطن.
وكان من أبرز علماء الأزهر الذين ارتبطوا بهذا الدور الشيخ حسن المأمون، والدكتور عبد الحليم محمود، والدكتور محمد الفحام، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد زكي إبراهيم.
وحرص عدد من العلماء على المبيت مع الجنود والقادة في مواقعهم على الجبهة، وتقديم الدروس والخطب التي استهدفت رفع الروح المعنوية وتعزيز الثبات، وحث المقاتلين على بذل أقصى ما يستطيعون من أجل استعادة الأرض والدفاع عن الوطن.
وكان وجود علماء الأزهر بين الجنود يحمل رسالة معنوية مهمة، مفادها أن المعركة لم تكن مسؤولية القوات المسلحة وحدها، وإنما قضية وطنية التف حولها المصريون، كلٌّ من موقعه، لدعم المجهود الحربي وتحقيق هدف استعادة الأرض.

الأزهر يدعو المصريين إلى التكاتف ودعم الجيش
وامتد دور علماء الأزهر في تلك الفترة إلى المجتمع المصري، حيث دعوا المواطنين إلى التكاتف والتكافل والوقوف خلف القوات المسلحة والقيادة، مؤكدين أهمية دعم المجهود الحربي بما يستطيع كل فرد تقديمه.
وشهد المجتمع المصري آنذاك حالة واسعة من التلاحم الوطني، حيث تضافرت الجهود الشعبية والرسمية لدعم الجيش في المعركة، وتقديم المساندة المادية والمعنوية اللازمة للقوات المسلحة.
ولم يكن خطاب علماء الأزهر مقتصرًا على رفع الروح المعنوية، بل ركز كذلك على قيم التضحية والصبر وتحمل المسؤولية، وربط بين الدفاع عن الوطن وبين ما يحمله المصريون من قيم دينية ووطنية راسخة.
علماء أزهريون حملوا السلاح إلى جانب الجنود
ومن الصور اللافتة في ذلك الدور أن بعض علماء الأزهر لم يكتفوا بالمشاركة الدعوية والمعنوية، بل كانوا موجودين في صفوف الجنود على الجبهة، وشاركوا في مواجهة العدو إلى جانب أداء رسالتهم الدينية.
ومن بين هؤلاء الدكتور طه أبو كريشة، والشيخ صلاح نصار، والدكتور محمود مهنا، والدكتور علوي أمين، إلى جانب عدد آخر من علماء الأزهر الذين شاركوا في دعم المقاتلين وخدمة القوات المسلحة خلال تلك المرحلة.
وجاء هذا الحضور ليعكس صورة مختلفة لدور العالم الأزهري في وقت الحرب، حيث جمع بين الكلمة التي ترفع المعنويات والمشاركة الفعلية في الدفاع عن الوطن، في إطار حالة عامة من التعبئة الوطنية التي شهدها المجتمع المصري.
أكتوبر.. انتصار جسّد تلاحم الجيش والشعب
وتظل حرب السادس من أكتوبر عام 1973 محطة بارزة في التاريخ المصري، لما شهدته من تلاحم بين القوات المسلحة والشعب، وإرادة مصرية هدفت إلى استعادة الأرض والكرامة.
وفي ذكرى الانتصار، يستعيد المصريون أدوار مختلف المؤسسات والفئات التي وقفت خلف القوات المسلحة، ومن بينها الأزهر الشريف وعلماؤه، الذين كان حضورهم على الجبهة وفي المجتمع جزءًا من مشهد وطني واسع دعم المقاتلين وأسهم في رفع الروح المعنوية خلال سنوات الحرب.
ومع استمرار احتفالات مصر بانتصارات أكتوبر طوال شهر أكتوبر، تبقى هذه الصفحات من التاريخ شاهدًا على أن الانتصارات الكبرى لا تصنعها قوة السلاح وحدها، وإنما تسندها أيضًا إرادة شعب، وتكاتف مؤسسات، وروح وطنية قادرة على مواجهة التحديات.



