واصلت دار الإفتاء المصرية، من خلال مركز التدريب بالدار، فعاليات الدورة التدريبية "منهجية الفتوى بدار الإفتاء المصرية في معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة"، المخصصة لطلاب تايلاند الدارسين بالأزهر الشريف، في إطار جهود الدار لتأهيل الطلاب على مناهج الإفتاء الرشيد، وتعريفهم بالأسس العلمية والضوابط الشرعية اللازمة لمعالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة.
وشهد اليوم التدريبي الثالث ثلاث محاضرات تناولت ضوابط الاختيار الفقهي، وأحاديث الأحكام، ومراحل صناعة الفتوى، وتناولت المحاضرة التي ألقاها الدكتور أحمد نبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بعنوان "أحاديث الأحكام في القضايا الاجتماعية المعاصرة"، استهل المحاضر حديثه بتعريف أحاديث الأحكام، موضحًا أنها الأحاديث النبوية التي تتناول الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين، وتُعنى ببيان الأحكام الفقهية وتأصيلها. وأشار إلى مكانة هذه الأحاديث ضمن السنة النبوية، وأهمية تمييزها ودراستها في ضوء مناهج الاستنباط الفقهي، كما عرّف المتدربين بأبرز المصنفات في هذا المجال، وفي مقدمتها كتاب "بلوغ المرام" للحافظ ابن حجر العسقلاني، وشروحه المتعددة، ومنها كتاب "إعلام الأنام شرح بلوغ المرام" للدكتور نور الدين عتر، بوصفه أحد المراجع المهمة في دراسة أحاديث الأحكام وفهم دلالاتها.
وأكد الدكتور أحمد نبوي أن فهم أحاديث الأحكام لا يصح أن يقوم على الرأي المجرد أو الهوى، بل يستلزم الالتزام بمناهج علمية معتبرة في فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها. وفي هذا السياق، تناول المذاهب الفقهية الأربعة بوصفها مدارس علمية راسخة في فهم الكتاب والسنة، تستند إلى قواعد أصولية وضوابط منهجية ومقاصدية، بما يضمن انضباط عملية الاستنباط، ويحول دون التعامل مع النصوص بمعزل عن أصول الفقه ومناهج العلماء.
وانتقل الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية إلى بيان دور دار الإفتاء المصرية في توسيع دائرة الاختيار الفقهي، موضحًا أن الدار اعتمدت، على مدى أكثر من عشرين عامًا، على الإفادة من ثمانية مذاهب فقهية في تأصيل فتاواها ومعالجة الوقائع المتنوعة، بما يتيح الاستجابة لمتغيرات الواقع وتعدد أحوال المستفتين. وأكد أن تنوع المذاهب والاجتهادات الفقهية يمثل رصيدًا علميًا مهمًا في معالجة القضايا المعاصرة، وأن الاقتصار على مذهب واحد قد لا يفي وحده بمتطلبات جميع الوقائع والمستجدات.
وفي إطار الربط بين التأصيل الفقهي والواقع الاجتماعي، ناقش الدكتور، أحمد نبوي، مع المتدربين عددًا من القضايا التي تواجه المجتمع التايلاندي، من أبرزها ختان الإناث وتعدد الزوجات والعنف الأسري. كما تناول أهمية وضع ضوابط للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، وحماية الخصوصية ومواجهة صور انتهاكها، باعتبارها قضايا تستدعي معالجة شرعية تراعي المستجدات التقنية وآثارها الاجتماعية.
واختتم الدكتور أحمد نبوي محاضرته بعرض أربعة نماذج تاريخية لتنظيم علاقة المسلمين بغيرهم؛ بدءًا من العهد المكي، الذي اتسم بقلة المسلمين وضعفهم، مع التركيز على الصبر والثبات، ثم مرحلة وجود المسلمين في الحبشة، وما مثلته من نموذج للتعايش في ظل احترام حقوق الأقلية، تلتها مرحلة العهد المدني الأول، التي شهدت وجود جماعات دينية واجتماعية متعددة في المدينة قبل اكتمال قيام الدولة، وصولًا إلى العهد المدني الثاني، الذي أصبح فيه للمسلمين كيان سياسي ودولة ومؤسسات وسلطة. وأبرز هذا العرض أهمية فهم السياقات التاريخية والاجتماعية عند دراسة العلاقات بين المسلمين وغيرهم، والاستفادة من تنوع التجارب في معالجة قضايا التعايش المعاصرة.
وقد تناول الشيخ عبد الله حسن عجمي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، خلال محاضرته التي ألقاها بعنوان "ضوابط الاختيار الفقهي في فتاوى القضايا الاجتماعية"، مراتب احتياجات الإنسان ومطالب حياته، المتمثلة في الضروريات والحاجيات والتحسينات، موضحًا أن الشريعة الإسلامية جاءت برعاية هذه المصالح وحفظها، مع اختلاف آثار فقدانها؛ فالضروريات يترتب على اختلالها أو فقدها ضرر بالغ، والحاجيات يؤدي فقدها إلى المشقة والحرج، بينما تتعلق التحسينات بمظاهر الكمال ومحاسن الحياة، مؤكدًا أن هذه المطالب تخضع لضوابط شرعية تنظم سعي الإنسان إلى تحقيقها، وتمنع الانحراف إلى اتباع الهوى والتشهي.
واستعرض المحاضر الحكمة من خلق الإنسان وغاية وجوده، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، موضحًا أن الأحكام الشرعية تتعلق بأفعال المكلفين، وأن الأوامر والنواهي تستهدف تحقيق مصالحهم ودفع المفاسد عنهم. وبين أن الأوامر الشرعية، كالصلاة والزكاة والحج، تتضمن منافع للإنسان، في حين تستهدف النواهي الشرعية حمايته من الأضرار والمفاسد، بما يعكس ارتباط التكليف الشرعي بمصالح العباد في الدنيا والآخرة.
كما تناول الشيخ عبد الله عجمي مراحل التدرج في بناء الالتزام الديني، مؤكدًا أهمية التهيئة الإيمانية والنفسية قبل الامتثال للتكاليف الشرعية، من خلال ترسيخ محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم العناية بالشعائر التعبدية، وصولًا إلى الالتزام بالأحكام الشرعية المنظمة لحياة الإنسان. وأوضح أن هذا التدرج يبرز أهمية مراعاة استعداد الإنسان وقدرته على الانتقال من الإيمان بمعانيه القلبية إلى الممارسة التعبدية والالتزام بالأحكام، بما يعين على ترسيخ التدين الصحيح.
وانتقل المحاضر إلى بيان أقسام الأحكام من حيث الحل والحرمة، موضحًا أن دائرة المباح أوسع من دائرة المحرم، وأن الشريعة لم تجعل الأصل في حياة الناس التضييق، بل أتاحت مساحة واسعة من المباحات، مع ضبطها بالأحكام والضوابط الشرعية. كما تناول طبيعة الحكم الشرعي من حيث ثبوته ودلالته، مبينًا أن الأحكام منها ما هو قطعي لا يقبل الاجتهاد في موضع القطع، ومنها ما هو ظني يحتمل أكثر من وجه في الفهم أو الاستدلال، وهو المجال الذي تظهر فيه أهمية الاجتهاد الفقهي المنضبط، مع التأكيد على أن الاجتهاد لا يصح إلا ممن استوفى أهليته العلمية.
واختتم المحاضرة بتوضيح العلاقة بين الحكم الشرعي والفتوى، مؤكدًا أن الفتوى لا تقتصر على معرفة الحكم المجرد، بل تتطلب فهم واقع الناس الذي تتنزل عليه الأحكام، ومراعاة اختلاف أحوالهم وظروفهم. وأشار إلى أن هذا الواقع يتأثر بأربعة عناصر رئيسة، هي الأشخاص والأمكنة والأزمنة والأحوال، الأمر الذي يستلزم مراعاتها عند معالجة القضايا الاجتماعية واختيار القول الفقهي الأنسب للواقعة، في إطار الضوابط الشرعية المعتبرة.
أما المحاضرة الثالثة، التي ألقاها فضيلة الشيخ عبد الرحمن محمد شلبي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، فجاءت بعنوان "مراحل صناعة الفتوى في دار الإفتاء المصرية"، واستهلها بتعريف الفتوى بوصفها بيانًا للحكم الشرعي بدليله، مؤكدًا ضرورة فهم المفتي للسؤال فهمًا دقيقًا يرفع اللبس والغموض، ويمكّنه من الوقوف على حقيقة المسألة وملابساتها قبل الشروع في إصدار الحكم.
واستعرض الشيخ عبد الرحمن شلبي المراحل الأربع لصناعة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، وهي التصوير والتكييف وبيان الحكم الشرعي وتنزيل الحكم على الواقع، موضحًا طبيعة كل مرحلة وأهميتها في الوصول إلى فتوى منضبطة. وبيّن أن التصوير يتمثل في فهم المسألة محل الفتوى فهمًا دقيقًا وشاملًا، من خلال الوقوف على حقيقتها وتفاصيلها والظروف المحيطة بها، مع مراعاة أحوال الأشخاص والأزمنة والأمكنة؛ بما يضمن تكوين تصور واضح للواقعة.
وأوضح أن التكييف الفقهي يقوم على تحديد الوصف الفقهي للمسألة وإلحاقها بالباب الفقهي المناسب، في ضوء حقيقتها والضوابط الشرعية ذات الصلة، تمهيدًا لتحديد الحكم المتعلق بها.
أما مرحلة بيان الحكم الشرعي فتتمثل في تحديد الحكم المناسب للمسألة استنادًا إلى الأدلة والمصادر الشرعية المعتمدة، من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المعتبرة، مع مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية. وتعنى مرحلة تنزيل الحكم على الواقع بتطبيق الحكم الشرعي على الواقعة المعروضة، مع مراعاة ظروفها وملابساتها وأحوال أصحابها، بما يحقق التطبيق الصحيح للحكم ويضمن ملاءمة الفتوى للواقع الذي تعالجه.
وأكد المحاضر أن صناعة الفتوى عملية علمية مركبة تتطلب التعمق في البحث ودقة النظر والتكامل بين المعرفة الشرعية وفهم الواقع، مشيرًا إلى أن دار الإفتاء المصرية تمثل مجمعًا علميًا فقهيًا تتضافر فيه الجهود للوصول إلى الفتوى المنضبطة. ولتوضيح هذه المنهجية، عرض عددًا من النماذج الفتوائية، من بينها مسائل اللقطة والكحول والتصوير الفوتوغرافي، وطبّق عليها المراحل الأربع، موضحًا كيفية الانتقال من تصوير المسألة وتكييفها فقهيًّا إلى بيان حكمها الشرعي وتنزيله على الواقع، بما أتاح للمتدربين فرصة التعرف على الجوانب التطبيقية لصناعة الفتوى.
وشدد الشيخ عبد الرحمن شلبي على أهمية الاستعانة بأهل الاختصاص في المسائل التي تتطلب خبرة علمية أو فنية، موضحًا ضرورة الرجوع إلى خبراء الاقتصاد في القضايا المتعلقة بالمعاملات المالية الإلكترونية والعملات الرقمية، وإلى الأطباء في المسائل الطبية، كما في الفتاوى المتعلقة بجائحة كورونا. وأشار إلى أهمية الاستفادة من آراء المتخصصين في تقييم المخاطر المرتبطة بالعملات الرقمية، بما يساعد على استكمال التصور الصحيح للمسألة قبل إصدار الحكم الشرعي بشأنها.
واختتمت المحاضرة بفتح باب النقاش والإجابة عن أسئلة المتدربين واستفساراتهم، مع توضيح ما التبس عليهم من مسائل، وإرشادهم إلى عدد من المراجع العلمية التي تعينهم على تطوير معارفهم الفقهية والبحثية، وتعزز قدرتهم على ممارسة الإفتاء وفق منهجية علمية منضبطة.

