ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: “رجل يعمل في تجارة الماشية، فيشتري عددًا من الأغنام ويربِّيها، ويعتمد في إطعامها على شراء الأعلاف، ثم يبيعها، فهل تجب عليه الزكاة في هذه الأغنام شرعًا؟”.
وقالت دار الإفتاء في إجابتها عن السؤال إن الزكاة ركنٌ من أركان الإسلام، بها تطهر الأموال، وتزكو النفوس، وتُمحى الآثام، قال الله جلَّ وعَلَا: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].
الزكاة في الأنعام والابل والبقر والغنم
وأوضحت أن الزكاة واجبةٌ شرعًا في أنواعٍ مخصوصةٍ من الأموال، ومنها: الأنعام من الإبل والبقر والغنم، حيث تجب الزكاة فيها بالإجماع.
وذكرت دار الإفتاء أن لوجوب الزكاة في الأغنام شروطٌ ثلاثةٌ، متى توافرت وجبت الزكاة فيها، وإذا تخلف شرطٌ منها لم تجب، وهي:
الشرط الأول: أن تبلغ النصاب الشرعي، وهو في الغنم أربعون منها بالإجماع.
الشرط الثاني: أن يحول عليها الحول، وهو عامٌ هجريٌّ كامل، وهو ما عليه إجماع الفقهاء.
الشرط الثالث: أن تكون سائمة، بأن ترعى بنفسها وتأكل من الكلأ المباح، ولا يتكلف مالكها علفها ولا سقيها، فإن تكلَّف مالكُها العلفَ والسقيَ فلا زكاة فيها مهما بلغ عددها أو قيمتها، ما لم تكن للتجارة؛ وذلك لحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا» أخرجه الإمام البخاري.
وأشارت إلى أن القول بأنه لا زكاة في غير السائمة من الأنعام -ومنها: الغنم- هو ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو ما عليه الفتوى.
وتابعت: "ولما كان السائل يشتري الأغنام بِنِيَّةِ التجارة فيها، فيقوم بتحمل تكاليف رعايتها وعلفها وتربيتها حتى تصل إلى الحالة التي تصلح معها للبيع وتحقيق الربح المَرْجُوِّ منها، فهي بذلك تدخل في زكاة "عروض التجارة".
وأضافت أن المقصود بالتجارة التي تجب الزكاة في عُروضها: التملُّك بعقد معاوضة محضة، بقصد البيع، لغرض الربح، وهذا ما يشير إليه حديث سَمُرَةَ بن جُنْدُب رضي الله عنه قال: «فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ» أخرجه الإمامان: أبو داود والبَيْهَقِي في "السنن الكبرى".
وأوضحت أن القول بأن الأغنام المقصودة للتجارة تُعْتَبرُ تجارةً ويُزكِّيها صاحبُها زكاةَ عُروض تجارة هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، من الحنفية والشافعية والحنابلة.
وتأسيسًا على ذلك: فمتى بلغت عروض التجارة النصابَ الشرعي، وحال عليها الحول، فقد وجبت فيها الزكاة بإجماع الفقهاء.
نصاب الزكاة
وأشارت دار الإفتاء إلى أن نصابُ زكاة عُروض التِّجارةِ هو نِصابُ الذَّهَبِ والفضَّةِ (وهو ما قيمته عشرون مثقالًا من الذهب أو مائتا درهم من الفضة) كما هو قول عامة الفقهاء؛ وذلك لحديث عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أمير المؤمنين عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: «هَاتُوا إِلَيَّ رُبُعَ الْعُشُورِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ لَكَ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ» أخرجه الإمامان: أبو داود والبيهقي في "السنن الكبرى" واللفظ له.
وذكرت أن هذا النصاب في زماننا يعادل خمسة وثمانين جرامًا مِن الذهب غير المشغول عيار 21، وهو ما عليه العمل والفتوى في الدِّيار المصريَّة.
وتابعت: “ومتى حَالَ على هذه العروض الحول -وهو سنة قمرية كاملة- بعد بلوغ النصاب، فيخرج زكاتها حينئذٍ ربع العشر (2.5%) في نهاية الحول؛ وذلك لما جاء عن أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، وَمِنَ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا» أخرجه الإمام ابن ماجه”.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فلا تجب في الأغنام المسئول عنها زكاةٌ من حيث كونها أنعامًا؛ لأنها غير سائمة، وإنما هي معلوفة، لكن لما كان السائل يشتري تلك الأغنام بِنِيَّةِ التجارة فإنه يجب عليه شرعًا أن يُزَكِّيَها زكاة "عروض التجارة"، وذلك متى بلغت قيمتها النصاب الشرعي، وهو ما يعادل 85 جرامًا من الذهب عيار 21، وحال عليها الحول، وحينئذٍ يخرج عنها الزكاة بنسبة ربع العشر.

