قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

إلى مكة بصحبة هوفمان (1)

0|هشام النجار

الدكتور مراد هوفمان السفير الألمانى والمفكر الاسلامى تحدث عن بعض خواطره عن رحلة حجه التى قام بها فى عام 1992م.
فى كتابه الشيق "الطريق الى مكة" أو "رحلة الى مكة"، والذى وصف فيه بدقة يوما بيوم وساعة بساعة رحلته الى الأراضى المقدسة.

سنجد فى عباراته وجمله ومعانيه بعض الاختلاف عما تعودنا قراءته ولكن فى النهاية سنجد أنفسنا أمام رجل بحث عن الحقيقة ووصل اليها ؛ كما يقول هو فى كتابه أثناء طوافه بالكعبة: " بدأنا بعد ذلك نطوف حول الكعبة، التى يتجه اليها مليار من البشر فى صلواتهم اليومية ، ولم يغب عن خاطرى طول الطواف أننا نتجه فى طوافنا الى الله ، وأضفت الى الأدعية المعتادة دعاءاً شخصياً مفاده: اللهم اجعل الحق يقر فى نفسى واجعل الحق حقيقتى الشخصية".
عندما يتكلم مراد هوفمان عن شعائر الحج فهو يهتم بالحكمة والرمز ويبحث عن السر ويتعمق فى المعنى ، فنجده مثلا يقول عن الحجر الأسود: "وفى أثناء ذلك كان الحجر الأسود الذى لا ينفع ولا يضر هو الأثر الوحيد الباقى من مدة ما قبل الاسلام، وهو بايجاز أقدم أجزاء الكعبة، ناهيك عن أن محمداً صلى الله عليه وسلم شخصياً هو الذى وضعه حيث هو اليوم، ولذلك فان من يلمس هذا الحجر يتصل اتصالاً مادياً بالرسول صلى الله عليه وسلم، وينضم مثل ملايين سبقوه فى سلسلة متواصلة ، ولم يكن هذا الأمر لرفاقى فى الحج الا مصدر الهام".
اذن ليس مجرد تواصل روحى فقط ، بل تواصل مادى أيضاً ، يؤكد هوفمان على هذه الحقيقة ويكررها عند كلامه عن ماء زمزم ، فيقول : " بعد أن أتممت الطواف شربت ماء زمزم ، فأحسست بالانتعاش بكل ما تحمله الكلمة من معان ، وعقدت العزم على حمل 20 لتراً منه الى الرباط ليرتشف الأصدقاء والخدم رشفات منه ، وكأن هذا الماء يماثل الذهب فى قيمته ، وهكذا يتحقق التواصل مع مكة ماديا".
وعن السعى بين الصفا والمروة يحكى هوفمان القصة ولا ينسى ما ترمز اليه : " وللتذكرة ؛ جرى هذا السعى فى واقع الأمر من أجل العثور على بئر زمزم ، فالرواية تروى أن السيدة هاجر وجدت نفسها فى عناء وبؤس شديدين بعد أن تركها ابراهيم مع طفلها الصغير اسماعيل فى الوادى المقفر " بواد غير ذى زرع " ( ابراهيم : 37 ) بمكة ، وراحت هاجر تسعى بين الجبلين بحثاً عن الماء ، وعندما عادت منهكة بائسة لتضم طفلها اليها ، كانت المشكلة قد حلت ، فلقد كان اسماعيل يلهو وسط نبع ماء ، هو اليوم زمزم ، واحياء لذكرى هذا الحدث بما يدل عليه من رعاية الله ورحمته ، كان السعى الذى يصبح فى ظروف الحج مشقة بدنية ، ولاسيما أن المرء يقطع بعض أجزاء الطريق مهرولاً ، وعندما وصلت منهكاً غير بائس الى بئر زمزم لأنهل منها مرة أخرى ، لم أغفل عن الرمز الذى تنطوى عليه هذه الشعيرة".
هوفمان وهو مستغرق فى عبادته وتأملاته وأفكاره وخواطره لا ينسى هموم أمته وأحزان اخوانه يقول عن الأضحية : " وليس من المحتم أن يقوم الحاج نفسه بذبح الأضحية لذلك قمت أثناء تجوالى فى المدينة بايداع 280 ماركا ألمانيا بأحد المصارف ثمنا لخروفين حددت المستفيدين منهما وهم مسلمو البوسنة ، وفى يوم عيد الأضحى سيقوم نحو عشرة آلاف جزار جئ بهم من أقطار العالم الاسلامى لذبح مليون من الأضاحى من بينها خروفاى " .
يقول هوفمان عن قيمة الحج فى الاسلام : " كنت متشوقاً الى ذروة الحج ، واياك والمرض قبل يوم عرفة ، والحج – كما يعلم الجميع – فرض على من استطاع اليه سبيلا ً ، فهو فريضة على من تسمح له حالته الصحية ويفيض ماله عن حاجة أهله وجيرانه ، اذ لا يجوز لمسلم أن يحج اذا كان جاره فى حاجة الى مال ، وبالرغم من ذلك يبيع بعض الفلاحين عندما تتقدم بهم السن ما يمتلكونه من أرض زراعية هى عماد معيشتهم ليحجوا .
فالحج ليس فريضة فحسب ، بل هو حلم لكل مسلم ، والعودة منه هى مفخرته ، فهو يستطيع عند العودة أن يجد منزله وقد طلى بلون أخضر ، ناهيك عن أنه سيحظى بمكانة رفيعة جداً ، فلا لقب دكتور ولا لقب الحاصل على ماجستير ولا لقب " سعادة " ولا حتى لقب أستاذ تضاهى لقب " حاج " الذى يخاطب به " .
ويمضى هوفمان فى سرد خواطره وتأملاته قائلا : " جلست فى حجرتى بالفندق فى جدة أطالع ما حملته معى من مطبوعات عن الحج ، ومن بينها بعض سطور تقول : " ألا يمكننا القول ان الاحرام يشير الى الموت وان الطواف يسلم المرء الى الله ، والسعى .. أليس السعى ارهاقا وتعبا ؟ أليست زمزم هى الحياة والكينونة ؟ ويوم عرفة .. ألا يجعلنا نتوقع يوم القيامة ؟ والمزدلفة .. أليست هى الظلام الذى يسبق اليوم الجديد ؟ ومنى .. ألا تمثل الوفاء من خلال نحر الأضحية ؟ وخلع ملابس الاحرام بمنى .. ألا يعنى حياة جديدة ؟ ورمى الجمرات .. ألا يرمز لكفاح مدى الحياة ضد كل ما هو شر ؟ ... ولكن الله هو محور الحياة".