AdvertisementS
AdvertisementS

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

أي مستقبل لـ "الناتو"؟

د.سالم الكتبي

د.سالم الكتبي

الخميس 12/ديسمبر/2019 - 12:11 م

رغم عمق الخلافات وتباعد الرؤى، يحسب لقادة حلف الأطلسي (الناتو) في اجتماعهم الأخير بالعاصمة البريطانية، لندن، قدرتهم على تجاوز التباينات القائمة مؤقتًا وإظهار قدرة الحلف على البقاء رغم كل التحديات المصيرية، التي تهدد وجوده واستمراره من الأساس، ولكن هذه الجرعة التنشيطية لقدرة الحلف على البقاء لا تنهي تمامًا ما يواجهه من تحديات معقدة، بل تمنحه فقط القدرة على الاستمرار المؤقت بانتظار التعامل مع تلك التحديات.

والحقيقة أن حلف النانو في ذكرى تأسيسه السبعين يعاني أزمة هوية وتحديات بقاء منذ سنوات طويلة مضت، وهي تحديات ليست وليدة اليوم بل ظهرت منذ الإعلان عن نهاية خصمه الاستراتيجي الأساسي حلف وارسو في عام 1991، بل وانتقال الدول التي كانت أعضاء في هذا الحلف تدريجيًا إلى حلف "الناتو"! بعد هذه المرحلة دخل الناتو في مرحلة البحث عن هوية وسبب للوجود، فظهر الحديث عن التهديد الروسي، وحدثت أزمات عدة بين الحلف وروسيا خلال محاولات "الناتو" الاقتراب من المجال الحيوي الاستراتيجي لوريثة الاتحاد السوفيتي السابق.

خلال قمة لندن، أظهر حلف الناتو توجهات استراتيجية تستحق التحليل والتأمل، فقد قطع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بأن روسيا لم تعد عدوا لحلف الناتو، مشيرًا إلى أن العدو الأن هو الإرهاب الدولي، وانتقلت روسيا من خانة العدو لتصبح مصدر تهديد مع وجود بعض ملفات الشراكة بينها وبين الحلف، بما يخفف كثيرًا من الجدل حول مستوى التهديد الروسي لدول الحلف. ولم يكن هذا هو رأي الرئيس الفرنسي بمفرده، فوزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو قد اعتبر أن روسيا "محاور رئيسي لا غنى عنه في الديناميات الإقليمية"، مشيرًا إلى أنها تستعيد أهميتها في منطقة البحر المتوسط الموسعة.

ويجب الا نتجاهل هنا أن محاولة التخفيف من فكرة العداء بين روسيا والحلف لا تروق لدول أعضاء مثل بولندا ولاتفيا وليتوانيا وإستونيا، الذين يشعرون بقلق شديد تجاه مايعتبرونه تهديدًا روسيا لهم، ويبدو رأيهم في هذه الشأن مغايرًا تمامًا ليس للرئيس الفرنسي فقط بل لأعضاء أطلسيين آخرين مثل تركيا، ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، والتي لا يرى رئيسها أن روسيا تمثل تهديدًا من الأساس بل يتجه إلى بناء نوع من التعاون الاستراتيجي الذي توج بعقد صفقة شراء صواريخ "إس 400" روسية الصنع، في خطوة تعكس حجم التباعد والشقاق المتنامي بين أعضاء الناتو.

الشكوك حول مستقبل حلف الناتو مصيره باتت تتغذى أيضًا على تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، التي قال فيها أن الحلف يمر بحالة "موت دماغي"، ورغم أنه حاول لاحقًا التخفيف من وقع هذه التصريحات اللافتةـ، مشيرًا إلى أنه تصريح تحفيزي نجح من خلاله في توليد نقاشات مفيدة حول مستقبل الحلف وتحديد العدو الرئيسي له، فإن تحديد الإرهاب الدولي كعدو رئيسي للناتو، لم يقنع الكثير من الخبراء الذين يرون أن الحلف بكل ما يمتلك من إمكانيات وقدرات يحتاج إلى خصم استراتيجي أكثر وضوحًا من الإرهاب الدولي، لاسيما أن الحلف لم يبذل ما يكفي من الجهد ولم يلعب دورًا رئيسيًا في التصدي لخطر الإرهاب في مناطق انتشاره بدول الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، والأخطر من ذلك أن القمة الأخيرة للحلف طرحت خلالها آراء تشير إلى "إنه ليس لدينا على الطاولة التعريف نفسه للإرهاب"، وهو ما أثار امتعاض الرئيس الفرنسي.

اللافت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي استهل ولايته الرئاسية بالهجوم على حلف الأطلسي ودوره واهميته، حتى أنه قد أثار في قمة الناتو العام الماضي احتمال انسحاب واشنطن من الحلف في حالة عدم زيادة الدول الأعضاء الأخرى معدلات إنفاقها العسكري، قد انتقل إلى مربع الدفاع عن دور الحلف وأهميته الاستراتيجية، حيث انتقد تصريح نظيره الفرنسي حول "موت الحلف دماغيًا"، ووصفه بأنه "تصريح خطير وغير جدير بالاحترام" معتبرًا أن فرنسا هي أكثر الدول احتياجًا إلى حلف شمال الأطلسي.

الناتو الذي تأسس عام 1949، ويضم 29 دولة وحوالي مليار نسمة يواجه اختبارًا مصيريًا يهدد وحدته، حيث يواجه، على سبيل المثال، مايمكن وصفه بالمعضلة التركية، حيث باتت العلاقات بين أنقرة وبقية دول الحلف بمنزلة لغز يصعب فهمه، والأمر لا يقتصر على شراء تركيا منظومة تسلح صاروخية روسية، بل بحجم الخلافات المتنامي بين الجانبين، ولعل نظرة واحدة لما يحدث في شمال الأراضي السورية من تضارب مصالح وغياب للتنسيق بين تركيا وحلف الأطلسي يؤكد تمامًا حجم الصعوبات التي تواجه أي نقاشات للجانبين لاستعادة وحدة الناتو ورسم طريقه المستقبلي، فتركيا ترهن موافقتها على خطط الناتو لحماية دول البلطيق وبولندا في مواجهة التهديد الروسي بموافقة الحلف على تصنيف وحدات حماية الشعب الكردية كمنظمة إرهابية.

في ضوء ماسبق، فإن أكثر مايحتاجه حلف الناتو الآن هو حوار استراتيجي معمق لإيجاد حلول للتعاطي مع قضايا حيوية تهدد بالقضاء على مسيرة الحلف وفي مقدمتها عدم وجود اتفاق بين الأعضاء حول هوية العدو المشترك ومن ثم مصادر التهديد وأولوياته وتباين المصالح الاستراتيجية بين الأعضاء كما هو حاصل بقوة بين تركيا وبقية دول الحلف.
Advertisements
AdvertisementS