الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

الدراما والتاريخ

أثار عرض بروموهات عن مسلسل الملك والذي كان من المقرر عرضه في شهر رمضان حالة من الاستياء بين الاثريين وباحثي التاريخ لوجود مغالطات تاريخية فجة  وظهور شخصية الملك أحمس وعدد من ملوك الفراعنة  بلحي وملابس  لا تمت بصلة للتاريخ المصري القديم  الذي رصدته الجداريات المنقوشة على المعابد الفرعونية الامر الذي اثار حملة من الانتقادات بدات بوسائل التواصل الاجتماعي وانتقلت للمنابر الاعلامية  وانتهت بقرار وقف عرض المسلسل كونه يفتقر للدقة التاريخية. 

ورغم إعلان الشركة المنتجة وقف المسلسل وتشكيل لجنة من المتخصصين لمراجعته كاملا  الا ان الجدل  لم يتوقف وفتح  بابا للنقاش حول العلاقة بين التاريخ والدراما بين حق المبدع في أن يتناول  أحداثا تاريخية  برؤية خاصة من باب الحرية الابداعية  وبين دوره في المحافظة علي التفاصيل  في سياق درامي دون أن يتعرض بالتغيير اوالتعديل  في أحداث مؤكدة. 

وسجال كثير حول التناول الدرامي للاعمال التاريخية  التي تتناول شخصيات او حقب تاريخية ومسؤلية الكاتب في المعالجة الادبية  وهل يجوز ان تطغي المساحة الابداعية علي جوهر الحدث التاريخي.

فكتابة الدراما التاريخية تواجه تحدياً كبيرا  في المعالجة والتناول بين التاريخ والتأريخ للماضي بين الحدث وصناعته  ولا يوجد خلاف  علي ان الأعمال الدرامية لها تقييم منفصل كأعمال فنية تختلف بكل تأكيد عن الدراسات التاريخية  لكن هل يسمح التناول الدرامي للحدث  ان يخضع للرؤية الذاتية للكاتب فيغير ويختلق احداثا تخالف الواقع وتخلق وعيا مغاير 

وهنا  يقع المحظور ويفقد العمل التاريخي اهم ركن من اركانه فالتاريخ دراسة موضوعية لكن الفن رؤية خاصة يحاول صانعها إثباتها بانتقاء ما يتناسب مع انحيازاته وعندما يتم إخضاع الحقائق للأهواء وتنتقل  الشخصيات من كتب التاريخ الي نصوص درامية بتفاصيل مختلقة تحركها قناعات من يتناولها  من باب  ان التاريخ حمال اوجه وله قراءات متعددة فيحدث الانفصال بين الماضي والحاضر وتحدث الفجوة

ومسلسل الملك رغم ان ما عرض منه مجرد مشاهد الا انها كانت كاشفة وكافية للحكم عليه فعندما استدعي الكاتب شخصية  احمس وهو من أعظم القادة العسكريين في تاريخ مصر  استدعاها من مخيلته ولم يستحضرها من ذاكرة التاريخ بملامحها وسماتها وطغي حضوره الذاتي علي حضور الشخصية التاريخية فجردها من ثواباتها وبيئتها متاثرا  بقوالب تختلف عن التراث المصري الموثق  مما ادي الي حالة من الخلط والالتباس في المنطقة الرمادية التي تقع بين الحقيقة والخيال.

فالاعمال الدرامية يجوز ان تبني علي روايات مختلفة وتجارب ذاتية ابداعية  لكن عند استحضار التاريخ تختلف المعالجة  وتصبح الكتابة الروائية  في تلك الحالة هي شكل متميز من اشكال البحث التاريخي  الذي يبحث فيه الروائي عن هوية المجتمع المتفردة  و يمكن ان يضيف لها دون الاخلال بالاطار العام او المضمون . 

فالتاريخ وقائع وحقائق لا يجوز اللعب عليها والا فنحن بصدد ازمة تشكيك وتزيف  واختلاق تاريخاً غير التاريخ وتغيب لوعي شعب شريحة منه ليست بالقليلة  لا تقرأ كتب التاريخ  ولا تفرق بين المؤرخ والمؤلف بين التاريخ والمعالجة الدرامية  مما يخلق حالة من التشويش والتشويه وهنا تكمن خطورة المغالطات التاريخية فتأثير الدراما اقوي من تاثير الكتاب فرفقا بتاريخنا