قال الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي، إمام وخطيب المسجد الحرام، إن العبد مهما بلغت قدراته وتعددت مواهبه ومهاراته، فلا ينبغي له أن يركن إلى نفسه، دون أن يستعين بربه.
مهما بلغت قدراته
وأوضح " غزاوي" خلال خطبة الجمعة الثانية من شهر رجب اليوم من المسجد الحرام بمكة المكرمة، أن من صفات الإنسان الضعف، وهو حالته، وعليه أساسه وجبلته، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف)، وقال سبحانه: (وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا).
وتابع: أي عاجزًا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه وقواه؛ حتى إنه لا يصبر عن اتباع الشهوات، ولا يتمالك نفسه أمام المغريات إلا من عصمه الله، وإن العبد مهما بلغت قدراته وتعددت مواهبه ومهاراته، فلا ينبغي له أن يركن إلى نفسه، دون أن يستعين بربه.
وأضاف أنه متى أعجب بنفسه وغفل عن ربه ذل وخذل وضل؛ إذ لا غنى له عن ربه طرفة عين، لا مرية في ذلك ولا مين، بل لا بد له من إظهار الضعف والفقر لربه والحاجة إليه والافتقار بين يديه؛ فمنه سبحانه يستمد العون والسداد وتستلهم الهداية والرشاد.
متى أعجب بنفسه
واستشهد بما في الحديث القدسي "يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم"، وهذا هو شأنه عليه الصلاة والسلام في صلته بربه وإقباله عليه وإخباته إليه فمما كان يقول في دعائه: (أنا بِك وإليك)، أي: بك أعتمد وإليك التجئ.
وذكر أنه مما أرشد إليه -صلى الله عليه وسلم- ابنته فاطمة أن قال لها "مَا يَمنعُك أَن تسمعي مَا أُوصيك بِه، أَن تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْت وَأَمْسَيْت: يَا حَيّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمتك أسْتَغِيث، أَصْلِح لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفة عَيْنٍ".
ونبه إلى أن من حقق التوكل على الله لم يكله إلى سواه، وتولاه بنفسه كما تولى نبيه محمدًا مصطفاه، قال جل في علاه مذكرًا بمنته عليه وحفظه له ممن عاداه: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)، وفي هذا دليل على شدة افتقارنا إلى تثبيت الله إيانا .
وأفاد بأنه ينبغي ألا نزال متضرعين لربنا ومولانا أن يثبتنا على الإيمان، ساعين في كل سبب موصل إلى ذلك في كل حين وآن، وأن نلجأ إلى ربنا دائمًا فهو حسبنا وهو المستعان وعليه التكلان، منوهًا بأن الإعجاب بالنفس وتعاظمها أشر أنواع الكبر وأخبته.
يفتك بقلب العبد
وبين أنه من أشد ما يفتك بقلب العبد ويفسده، ومتى وكل العبد إلى نفسه غلبته وقهرته وأسرته وأهلكته وتخلت عنه عناية الرحمن وأحاط به الخذلان. فهذا إبليس اللعين أعجب بحاله واغتر بنفسه وأصله؛ إذ قَالَ: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) فطرده الله من رحمته وباء بسخطه ومقته.
وأردف: وذاك صاحب الجنتين الجاحد لفضل ربه، لما أُعجب بنفسه، فأصبح في حسرته وندامته، ولما أُعجب من أعجب في حنين بالكثرة، وقيل: "لن نغلب اليوم من قلة"، وكلوا إلى كثرتهم فخذلوا وانهزموا ثم تداركهم الله بنصره حتى ظفروا.
ونوه بأن العجب بالنفس والاغترار بالذات من أعظم ما يعيقنا عن السير إلى ربنا ويصرفنا عن جادة قصدنا، وفي مقابل ذلك علينا أن نعلم أن من وثق برحمة ربه ولم يثق بغير رحمته، واعتقد أنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوته؛ فقد حقق التوكل على ربه في توفيقه وتسديده وإصلاح شأنه، وهو جدير بأن يتكفل الله بحفظه وعصمته، ولا يكله إلى نفسه.
أعظم المنن
وأشار إلى أن هذا من أعظم المنن ومن أجل النعم، فمما دعا يوسف عليه السلام ربه: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بالصَّالِحِينَ) وما كان قوله ذلك إلا هضمًا لنفسه، وإقرارًا بفاقته إلى فضل ربه، موضحًا أن الإعجاب بالنفس من الخصال المهلكة .
ودلل بما جاء في الحديث: (فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه وعقوبة هذا الخلق السيئ عظيمة فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللهُ به الأَرْضَ، فَهو يَتَجَلْجَلُ فيها إلى يَوْمِ القيامة).
ولفت إلى أن الخسف هو ذات العقوبة التي أخذ بها قارون الذي أبطرته النعمة فجحد منة ربه، وأخذته العزة بالإثم فأعجب بنفسه، وقال لقومه: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى علم عِنْدِي، مبينًا أن للعجب بالنفس والاتكال عليها مظاهر كثيرة وصورًا متعددة.
وتابع: فقد يعجب المرء بقدرته ورباطة جأشه؛ فيقتحم أبواب الشرور والفتنة؛ مدعيًا عدم تأثره بشيء؛ لما يتوهمه في نفسه من حصانة وعصمة، وقد يعجب المرء بما وهبه الله من فهم وذكاء؛ فيظن أن عنده من الفطنة ما يعجز عنه النجباء، وقد يعجب المرء بسعة علمه، ويغتر بكثرة معرفته فيصده ذلك عن الاستزادة، وترك الاستفادة، ويباهي بعلمه ويفاخر، ويماري به ويكابر.
واستطرد: وقد يعجب المرء بما أوتي من مال وفير، ويعتقد أنه بذاك جدير، فيبدده كفعل السفيه، ويمنع حق الله فيه، وقد يعجب المرء بجهده وما نال به مراده وبذل من أجله السبب، فيكبر في نفسه أنه بكدحه قد حقق الإنجاز وظفر بما طلب، وقد يثني على ذاته بما يورده الهلاك والعطب، فتجده يقول: بكدي بتعبي بسعيي بعرق جبيني وهكذا؛ فينسب الفضل لنفسه ويجحد منة ربه.
كفعل السفيه
وأبان أنه قد يعجب المرء بقدره ويعتد بذاته، فيجحد فضل الله وعطاءه ويرى أنّ ما ناله هو دون استحقاقه، بل يحسد صاحبه على النعمة ويتمنى وقوعه في النقمة ويقول: "لم لا أعطى مثل فلان؟ وهل فلان أفضل مني؟!"، وقد يعجب المرء بشرفه ويفاخر بنسبه وأصله، فيقعد عن اكتساب المعالي، ولا ينهض لطلب العوالي وينسى أن من بطأ به عمله لم يرفعه نسبه.
وواصل: وقد يعجب المرء بجمال منظره وهيئته ويغفل أن قيمة المرء تكمن في نقاء روحه وسمو خُلقه، وهكذا فمن ركن إلى نفسه وسكن إليها فأعجب بها واعتمد عليها، وغفل عن محاسبتها استبد برأيه وانفرد، وعن المشورة ابتعد، يستوحش ممن ينقده، ويأنف ممن يستدرك عليه ويرشده؛ فأظلم قلبه وعميت بصيرته، وأغلق دون الإصلاح كل باب، وأضحى في عتو وتيه بلا إياب.
وأكد أنه لدفع داء العجب والاغترار لا بد للعبد من أن يعلم أن النعمة التي بين يديه قد يسلبها مسديها المنعم المنان، وأن يشهد عظمة ربه ومنته وتوفيقه وإعانته وينظر عيوب نفسه وما هي عليه من العصيان.
وأبان أن مشاهدة المنة، توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل الأحيان، ومن عرف ربه حق المعرفة وأبصر حقيقة حاله ومآله، صغرت في عينه نفسه، ولم ير فيها إلا محض العجز والفاقة والنقصان.