في إنجاز علمي غير مسبوق، هز عالم الكيمياء و أثار جدلا واسعا في الأوساط الأكاديمية، أعلن فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) نجاحه في تجاوز قاعدة كيميائية راسخة مضى على اعتمادها أكثر من 100 عام، ما قد يفرض إعادة النظر في مفاهيم أساسية تدرس في مناهج الكيمياء حول العالم.
اكتشاف يهز المسلمات العلمية
الدراسة، التي نشرت مطلع يناير الجاري في مجلة Science المرموقة، كشفت عن إمكانية تكوين جزيئات كان ينظر إليها تاريخيا على أنها مستحيلة من حيث البنية الكيميائية، في تحدي مباشر لما يعرف بـ«قاعدة بردت»، التي صاغها الكيميائي الألماني يوليوس بردت عام 1924، وفقا لموقع dailygalaxy.
ما هي قاعدة بردت؟
تنص قاعدة بردت على استحالة تكوين رابطة مزدوجة عند ما يسمى «رأس الجسر» داخل الأنظمة الحلقية الصغيرة والمجسرة، إذ يؤدي ذلك بحسب القاعدة إلى إجهاد هندسي حاد يجعل الجزيء غير مستقر وغير قابل للتكوين.
وعلى مدار قرن كامل، اعتُبرت هذه القاعدة من الركائز الأساسية في الكيمياء العضوية البنيوية، و مرجعا تعليميا لا خلاف عليه
كيف تم كسر القاعدة؟
فريق UCLA، بقيادة البروفيسور نيل غارغ، طور منهجا تجريبيا مبتكرل مكنه من تكوين ما يعرف بـ«الأوليفينات المخالفة لقاعدة بردت»، وهي جزيئات تحتوي على رابطة مزدوجة في موضع تحظره القاعدة تقليديا.
واعتمد الباحثون على تصميم تفاعل كيميائي متعدد المراحل، يسمح يتشكل هذه البنية «المحظورة» بشكل سريع وعابر، قبل التقاطها وتحويلها إلى ناتج نهائي مستقر يمكن التعامل معه مخبريا.
أدلة تجريبية ومحاكاة حاسوبية
ورغم أن الجزيئات الوسيطة غير المستقرة لم ترصد بشكل مباشر، فإن النتائج التجريبية قدمت دلائل قوية على وجودها، خاصة من خلال خصائص فراغية محددة احتفظ بها الناتج النهائي، لا يمكن تفسيرها إلا بمرور التفاعل عبر تلك البنية التي كانت تعد مستحيلة كما دعمت المحاكاة الحاسوبية هذه النتائج، ما عزز من مصداقية الاستنتاجات العلمية.
إعادة تعريف لا إلغاء
وأكد البروفيسور غارغ أن الدراسة لا تنسف قاعدة بردت بالكامل، بل تعيد صياغة فهمها، موضحا في تصريحات صحفية:«ما توصلنا إليه يثبت أن قاعدة برِدت ليست قانونا فيزيائيا مطلقا، بل تعميمًا علميًا مفيدًا، يمكن أن توجد له استثناءات في ظروف دقيقة».
تطبيقات واعدة في الطب والصناعة
ويرى خبراء أن لهذا الاكتشاف تداعيات واسعة، لا سيما في مجال اكتشاف وتطوير الأدوية، حيث تلعب البنى الجزيئية ثلاثية الأبعاد دورا حاسما في تحسين فعالية المركبات الدوائية كما قد تمتد آثاره إلى تطوير مواد متقدمة، وبوليمرات وظيفية، وتقنيات تحفيز صناعي أكثر كفاءة ودقة.
مناهج التعليم على المحك
على الصعيد التعليمي، يفتح هذا الإنجاز بابا واسعا لإعادة التفكير في طريقة تدريس القواعد العلمية، إذ يدعو الباحثون إلى التعامل معها بوصفها إرشادات مرنة قابلة للتحديث، لا حدود صارمة تقيد الابتكار العلمي.
ومن المتوقع أن يدفع هذا الاكتشاف عددًا من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية إلى مراجعة محتوى مقررات الكيمياء، بما يعكس الطبيعة الديناميكية للعلم وحدوده المتغيرة.

