قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

«اتدبـ.ـح بـ26 طعنة على إيد صاحبه».. والد طالب بنها يكشف اللحظات الأخيرة قبل مقتــ.ـل نجله ويكشف كيف تحوّلت الصداقة إلى هذه النهاية | خاص

محمد ياسر
محمد ياسر

لم تهدأ قرية ميت العطار التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية منذ لحظة الإعلان عن مقتل الطالب محمد ياسر، طالب الصف الثالث الثانوي، في جريمة هزّت مشاعر الأهالي، وحوّلت القرية الهادئة إلى بيت عزاء مفتوح.
وفي تصريحات خاصة لـ«صدى البلد»، كشف والد المجني عليه، ياسر نجيب، تفاصيل مؤلمة عن الساعات الأخيرة في حياة نجله، مؤكدًا أن ابنه لم يكن يتوقع أن تنتهي خلافات عادية، بدافع الغيرة، إلى جريمة قتل.

وكشفت التحقيقات أن المتهم، ويدعى محمود. ا، استدرج صديقه بعد منتصف الليل إلى منزل تحت الإنشاء، حيث سدد له طعنة نافذة في الرقبة باستخدام سكين، تركها بجوار الجثمان، قبل أن يُسلّم نفسه للأجهزة الأمنية، ويُرشد عن مكان الجريمة والأداة المستخدمة.

ومع تصاعد صدمة الواقعة، قررت النيابة العامة انتداب الطب الشرعي لتشريح الجثة، وطلبت تحريات موسعة من مباحث مركز شرطة بنها لكشف جميع الملابسات، في وقت يترقب فيه أهالي القرية نتائج التحقيقات، أملًا في تحقيق العدالة لأسرة فقدت ابنها في لحظة غدر مفجعة.

في هذا الجزء الثالث من رواية والد المجني عليه، تتكشف اللحظات الأصعب في حياة الأب، منذ دخوله إلى المباحث وهو يظن أن ابنه محتجز أو مصاب، وحتى وقوفه أمام مشهد لا يرضي الله ولا يحتمله قلب بشر.

داخل المباحث… بداية الصدمة الأولى

يقول ياسر نجيب إنه فور وصوله إلى مركز الشرطة، سُئل عن الشخص الذي أخبره بوجود محمد هناك، فأجاب بهدوء:
«ولد يوسف هو اللي كلمني وقال لي تعالَ على المركز».

طلب الصعود إلى المباحث، وبالفعل سُمح له بالدخول. هناك، وجد يوسف جالسًا في غرفة أشبه بمكتب صغير، على كنبة، وإلى جواره والده وجده. المشهد، في ظاهره، كان هادئًا، لا يوحي بكارثة.

دخل الأب وهو مطمئن نسبيًا، يعتقد أن ابنه في غرفة أخرى، أو ربما محتجز في مكان قريب، بانتظار استكمال الإجراءات.

حوار مرتبك… ورواية لا تستقيم

بادره ياسر نجيب بالسؤال:
«يوسف، أخوك محمد فين يا حبيبي؟».

جاء الرد صادمًا وغريبًا:
«والله يا عمو محمد كان معاه سكينة، وعوّرني في صباعين».

توقف الأب مذهولًا، محاولًا استيعاب الكلمات، وسأله باستغراب:
«إزاي يعني؟ إنتوا إزاي تقلبوا على بعض كده؟».

حاول يوسف تبرير ما حدث، مدعيًا أن الأمر بدأ بـ«هزار»، ثم تطور فجأة، لكن القصة لم تكن منطقية في نظر الأب، خاصة حين سأله عن مصير محمد.

سكينة من أين؟ وسقوط مفاجئ

استكمل يوسف روايته قائلًا إن محمد كان يمسك بسكين، وإنه أثناء «الهزار» رفع يده، فانزلقت السكين إلى رقبة محمد، ليسقط بعدها على الأرض.

هنا، توقف الزمن في رأس الأب:
«سكينة؟ جابها منين؟ ومسكها ليه؟».

كانت الأسئلة تتزاحم، لكن الإجابات غائبة. حاول الأب أن يفهم أين ابنه الآن: هل هو في المستشفى؟ هل محتجز؟ هل مصاب فقط؟ لكن لا شيء كان واضحًا.

انفعال الأب… وإخراجه من المركز

يقول ياسر نجيب إنه شعر بالخوف الشديد، وترك يوسف محاولًا الوصول إلى أي إجابة، إلا أن رجال المباحث تدخلوا، وأبعدوه عن الغرفة، ثم أخرجوه خارج المركز، بعدما بدا عليه الانفعال.

«أنا خرجت من المركز ومش فاهم حاجة… ابني فين؟»، يقول الأب بمرارة.

كان رأسه يدور، وقلبه يرتجف. لم يكن يعرف إن كان ابنه حيًا أم ميتًا، مصابًا أو محتجزًا. كل ما كان يعرفه أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث، وأن الحقيقة ما زالت بعيدة عنه.

اتصالات استغاثة… بحث عن أي خيط

في تلك اللحظات، لجأ ياسر نجيب إلى معارفه. اتصل بأحمد زكي، مدير إدارة تعليمية في بنها وزميل عمل، راجيًا منه المساعدة:
«أنا مخضوض… شوف اتصالاتك، أي حد في الشرطة يساعدني».

كما اتصل بجار له، أمين شرطة على المعاش يُدعى «أبو النور»، شرح له الوضع كاملًا. حاول الجميع تهدئته، وأكدوا له أنهم سيحاولون الوصول إلى أي معلومة.

لكن الوقت كان يمر، والقلق يتحول إلى رعب.

الطريق إلى النيابة… ثم اتصال مفاجئ

بعد فشل المحاولات الأولى، نُصح الأب بالتوجه إلى النيابة العامة. وبالفعل، تحرك مع زوجته، لكن في منتصف الطريق تلقى اتصالًا يطلب منه العودة إلى مركز الشرطة مرة أخرى.

كان المشهد مرتبكًا، ذهابًا وإيابًا، دون توضيح أو تفسير، بينما هو ممنوع من دخول المركز.

الخبر الذي أسقط القلب

وأثناء عودته، جاءه اتصال آخر، هذه المرة من الأهالي:
«في ولد مقتول في عمارة على طريق مش بعيد».

المسافة كانت تقارب الكيلومتر والنصف من البيت. هنا، شعر الأب أن الأرض تميد تحته. لم يعد السؤال «أين محمد؟»، بل أصبح: هل يكون هو؟

العمارة تحت الإنشاء… اللحظة الفاصلة

توجه ياسر نجيب إلى المكان المشار إليه، حيث تجمع الناس حول عمارة تحت الإنشاء، مجرد هيكل خرساني من أعمدة وسقف، حتى الدور الرابع.

قال له أحد الواقفين: «اطلع الدور الرابع».

صعد الأب، وكل درجة كانت تثقل قلبه أكثر، وهناك رأى ما لا يتمناه أي أب.

مشهد لا يرضي الله… والاعتراف الأصعب

وجد محمد، ابنه، في حالة لا توصف.
«منظر ما يرضيش ربنا خالص»، هكذا وصفه الأب، قبل أن يضيف بصوت مكسور:
«ابني مدبوح».

لم يكن الأمر مجرد إصابة، ولا شجارًا عابرًا، بل قتلًا متعمدًا وبقسوة لا تُصدّق.

طعنات بلا رحمة… أرقام مرعبة

بحسب ما رواه ياسر نجيب، فإن التقارير الأولية تحدثت عن عدد هائل من الطعنات.
فالتقرير المبدئي أشار إلى 16 طعنة، بينما كشفت إفادات لاحقة وتقارير الطب الشرعي عن ما يقارب 26 طعنة.

طعنات في الظهر، ما يدل على الغدر.
طعنات في الرقبة من الخلف، ثم من الأمام.
طعنات في الصدر، إحداها اخترقت الرئة، وأخرى فوقها بقليل، وأخرى في القلب.
طعنات في الوجه، في الخد، قرب الأذن، خلف الأذن، وفي الشفاه.

«كأن اللي عمل كده كان بيتسلى»، يقول الأب بألم.

غدر لا مواجهة

يشدد ياسر نجيب على أن ابنه لم يُقتل في مواجهة متكافئة، بل غدرًا:
«الضهر الأول… وبعدين القفا… وبعدين نيمه وكمل عليه».

لم يكن شجارًا لحظيًا، بل اعتداءً ممتدًا، يكشف عن نية مبيّتة وعنف غير مبرر.

أسئلة بلا إجابة… هاتف مفقود

وسط الصدمة، برز لغز آخر: هاتف محمد.

يقول الأب إنه حتى اليوم لا يعلم أين هاتف ابنه. لم يكن مع الجثة، ولم يُسلَّم له.
«الباسورد معايا… نفسي أفتحه، يمكن ألاقي رسالة، أي حاجة تفسر اللي حصل».

لماذا اختفى الهاتف؟
ولماذا لم يكن بجوار الجثمان؟
أسئلة ما زالت بلا إجابة، وتزيد من وجع الأب وحيرته.

أب يتهم… ومجتمع مهدد

لم يُخفِ ياسر نجيب غضبه وهو يتحدث عن يوسف:
«مش بس خطر على ابني… ده خطر على أي ابن في المجتمع».

ويرى أن التربية الغائبة، والعداوات الخفية، كانت وقودًا لهذه الجريمة، مؤكدًا أنه لم يكن يعلم بوجود أي حقد أو مشاكل بين الأسرتين.

تنتهي هذه المرحلة من القصة عند مشهد لا يمكن نسيانه: أب يقف أمام جثمان ابنه، محاولًا أن يفهم كيف تحولت الصداقة إلى دم، والرحمة إلى غدر، والليل إلى فاجعة.

قصة محمد لم تعد مجرد حادثة قتل، بل صرخة في وجه المجتمع، وسؤال مفتوح أمام العدالة، ورسالة موجعة عن الثقة والنية الطيبة حين تصطدم بنفوس مريضة.