حير نجم "يد الجوزاء" العملاق الأحمر علماء الفلك بأسراره الغامضة، خاصة بعد وجود اكتشاف جديد أعاد تسليط الضوء عليه من زاوية جديدة، حيث تم رصد ما يشبه "الأثر الدوامي" في غلافه الجوي، في دليل قوي على وجود نجم مرافق غير مرئي يدور حوله منذ آلاف السنين.
لغز رفيق لا يرى
على بُعد نحو 650 سنة ضوئية من الأرض، يتلألأ نجم يد الجوزاء في كوكبة الجبار، باعتباره أحد ألمع وأضخم النجوم المعروفة؛ إذ يمكن لأكثر من 400 مليون شمس أن تتسع داخله ورغم شهرته الواسعة، ظل هذا النجم يخفي أسرارا عديدة، أبرزها سبب تغيّر سطوعه وفق دورة منتظمة تمتد لنحو ست سنوات.
ومنذ سنوات، يبحث العلماء عن أدلة تشير إلى وجود نجم مرافق خفي قد يكون مسؤولا عن هذه الظاهرة، وهو ما بات اليوم أقرب إلى الحقيقة.
أثر يشبه ذيل السفن في البحر
الاكتشاف الجديد تمثل في رصد أثر كثيف من الغاز يشبه الدوامة أو الذيل الذي تخلفه السفن خلفها، يشق الغلاف الجوي الخارجي ليد الجوزاء.
ويرجح العلماء أن هذا الأثر ناتج عن مرور نجم مرافق صغير يدور في مدار قريب جدًا من النجم العملاق.
وظهر هذا الأثر مباشرة بعد عبور النجم المرافق أمام يد الجوزاء من منظور الأرض، في إشارة واضحة إلى تفاعله المباشر مع غلافه الجوي الكثيف.
“سِوارها” اسم عربي لرفيق خفي
في دراسة سابقة نُشرت العام الماضي، اقترح العلماء إطلاق اسم "سِوارها" على النجم المرافق، في استعارة رمزية من "السوار" الذي يحيط بالمعصم، بما يتناسب مع كون "يد الجوزاء" هو الاسم العربي التاريخي للنجم الأكبر.
ويُعتقد أن "سِوارها" صغير وباهت للغاية، وربما أصغر من شمسنا، ما يجعل رصده المباشر بالغ الصعوبة، خاصة مع تمدد يد الجوزاء الهائل بعد استنفاد وقوده النووي واقترابه من نهاية عمره النجمي.
ست سنوات تفسر تغير اللمعان
تشير البيانات التي جُمعت خلال ثماني سنوات من الرصد إلى أن "سِوارها" يُكمل دورة كاملة حول يد الجوزاء كل ست سنوات تقريبًا، وهو ما يفسر التغير الدوري في سطوع النجم العملاق.
وقد قُبلت هذه النتائج للنشر في مجلة The Astrophysical Journal، لتضيف دليلا قويا على أن النجم الخفي ليس مجرد فرضية، بل عنصر فاعل يؤثر في سلوك ومظهر يد الجوزاء.
قارب في بحر من الغاز
تقول أندريا دوبري، المؤلفة الرئيسية للدراسة وعالمة الفلك في مركز هارفارد–سميثسونيان للفيزياء الفلكية:"الأمر يشبه قاربًا يشق طريقه في الماء، فالنجم المرافق يُحدث تموجًا في الغلاف الجوي ليد الجوزاء يمكننا رؤيته بوضوح في البيانات".
وأضافت: "للمرة الأولى نرصد دلائل مباشرة على هذا الذيل الغازي، ما يؤكد أن ليد الجوزاء رفيقًا خفيًا يشكّل مظهره وسلوكه".
رصد دقيق بتلسكوب هابل ومراصد أرضية
اعتمد الفريق البحثي على بيانات من تلسكوب "هابل" الفضائي، إلى جانب مراصد أرضية مثل مرصد فريد لورنس ويبل ومرصد روكي دي لوس موتشاتشوس، لتتبع التغيرات في ضوء يد الجوزاء وسلوك غلافه الجوي.
وأظهرت المشاهدات اضطرابات في سرعة الغازات واتجاهها، بما يشير إلى وجود جسم مرافق يدور داخل الغلاف الجوي الممتد للنجم العملاق، ويتفاعل معه بشكل مباشر.
نافذة لفهم النجوم العملاقة
يرى الباحثون أن دراسة يد الجوزاء وسلوك رفيقه الخفي تمثل فرصة فريدة لفهم طبيعة النجوم العملاقة الأخرى، التي يصعب رصدها أو تحليلها بسبب بعدها أو خفوتها.
وقد شهد يد الجوزاء خلال السنوات الأخيرة ظواهر محيرة، أبرزها خفوت سطوعه الحاد بين عامي 2019 و2020، ما أثار تكهنات بقرب انفجاره قبل أن يتضح لاحقا أن السبب كان سحابة غبار حجبت جزءًا من ضوئه مؤقتا.





