استضافت القاعة الرئيسية «بلازا 1» لقاءً فكريًا وشعريًا مع الشاعر التونسي آدم فتحي، خُصص للحديث عن تجربته الشعرية الممتدة، ومحطاتها الإبداعية، ورؤيته لعلاقة الشعر بالواقع والثقافة والمشهد العربي الراهن، وذلك في إطار فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وأدار اللقاء الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي للمعرض.
وخلال اللقاء، ألقى الشاعر آدم فتحي مقاطع شعرية اتسمت بكثافة اللغة وعمق الصورة، وتداخل فيها الحنين للطفولة، والغربة بالذاكرة، والحرية بالمصير الإنساني، مؤكدًا أن القصيدة لا تقوم إلا على ما يبدو هامشيًا أو «غبارًا» فوق الأشياء، وأن الشعر الحقيقي يظل بحثًا دائمًا عن المعنى خارج اليقين الجاهز.
وفي حديثه عن تجربته الإعلامية، تناول آدم فتحي رؤيته للبرنامج الثقافي، مشيرًا إلى أن العالم يعيش صراعًا واضحًا بين الكلاسيكي والجديد، وأن تصوره للبرامج الثقافية كان قائمًا على أن «البطل هو الضيف لا مقدّم البرنامج».
وأوضح أنه كان يحرص دائمًا على الجلوس في طرف المشهد، تاركًا الصدارة للفكرة وللمبدع، في مقابل ما وصفه بتحوّل بعض البرامج إلى منصات استعراض تفقد الحوار جوهره الثقافي.
وأكد الشاعر أن التلفزيون ليس فضاءً ملائمًا للتفكير العميق أو بناء الحجج، وأن المثقف إذا لم يكن مسلحًا بأدوات الخطاب الإعلامي قد يتعرض للإساءة أو الاختزال، مشيرًا إلى أن هذا ما حدث مع عدد من الكتّاب والمفكرين الذين خاضوا التجربة دون استعداد كافٍ.
وقال الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، إنه كان ينتظر إجابات مباشرة عن هذه الأسئلة، إلا أن الشاعر اختار مسارًا مختلفًا، مؤكدًا أن ما يكتبه هو «شعر خالص»، لا يُختزل في خطاب أيديولوجي ولا يُستدرج إلى خارج لغته، بل يقوم على الصورة والإيقاع والمعنى.
وأضاف مجاهد أن آدم فتحي، في إجاباته، بدا وكأنه يدعو إلى تجاوز الأسئلة الخارجية والدخول إلى «مغارة الشعر الحقيقي»، معتبرًا أن هذا الموقف يعكس جوهر التجربة الشعرية الصادقة، قبل أن يفتح باب الحوار مع الحضور.
وشهد اللقاء تفاعلًا واسعًا، حيث عبّرت إحدى المشاركات عن سعادتها بوجود الشاعر آدم فتحي في مصر، مؤكدة أنها تتابع تجربته منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ليس فقط كشاعر، بل أيضًا من خلال حضوره الثقافي والإعلامي في برامج فكرية أسهمت في تحريك الأسئلة لدى المثقفين والفنانين والشعراء.
وأشارت إلى أن شعر آدم فتحي يمنح الصوت للكائنات كافة، ويعيد الاعتبار للإنسان في أعمق تجلياته، معتبرة أن تجربته مشروع شامل يجمع بين الشعر والترجمة والرؤية الإنسانية.
كما تناولت الندوة تجربة آدم فتحي في الترجمة، حيث طرح أحد الحضور سؤالًا حول تأثير ترجماته، لا سيما لأعمال الفيلسوف إميل سيوران، على رؤيته الشعرية، في ظل ما تحمله كتابات سيوران من شذرات أقرب إلى الشعر ورؤية حادة للعالم، وتوقف السؤال عند مدى تسرب هذه الرؤية إلى قصيدة آدم فتحي، وإلى أي حد أسهمت الترجمة في تشكيل حساسيته الشعرية.
ومن جانبه، شارك الشاعر المغربي حسن نجمي بمداخلة أكد فيها أن اللقاء يمثل لحظة رمزية مهمة في الحوار الثقافي العربي، وجسرًا بين جناحي الوطن العربي، المشرق والمغرب.
واعتبر نجمي أن تجربة آدم فتحي واحدة من التجارب العربية المميزة، لما تحمله من تعدد في المراحل، والاشتباك الواعي مع الأيديولوجيا، والفعل المجتمعي، والموقف التاريخي، دون أن تفقد الشعر صفاءه واستقلاله.
وأشار إلى أن قصيدة آدم فتحي منحت للشعر صوتًا مؤثرًا في مجرى الأحداث، سواء في تونس أو في السياق العربي الأوسع، مؤكدًا أن هذا الصوت لم يكن يومًا عابرًا أو مباشرًا، بل جاء عنيفًا في صدقه، نقيًا في انحيازه للإنسان والشعب، ومتوازنًا في علاقته بالتاريخ والحدث.
واختتم حسن نجمي مداخلته بسؤال حول العلاقة الرمزية بين آدم فتحي والشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي، متسائلًا عمّا إذا كان حضور الشابي يشكّل، بالنسبة لجيل آدم فتحي، جدارًا رمزيًا يحد من بروز الأصوات الجديدة، أم يمثل حوارًا صامتًا مع التراث الشعري التونسي والعربي، كما حدث في تجارب شعرية عربية أخرى مع رموزها الكبرى.
وفي ختام الندوة، أكد الحضور أن تجربة آدم فتحي تظل واحدة من التجارب الشعرية العربية اللافتة، لما تحمله من عمق إنساني، واشتباك جمالي مع الأسئلة الكبرى، وقدرة على إعادة الاعتبار للشعر بوصفه فعلًا حرًا يتجاوز المباشرة، ويمنح اللغة دورها في كشف العالم وتأمله.