رغم ارتباط القهوة منذ قرون بالتنبيه وزيادة النشاط، فإن المخاوف من تأثيرها على مرضى ارتفاع ضغط الدم لا تزال محل جدل علمي. إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن القهوة لا تمثل خطرًا مباشرًا على المصابين بضغط الدم المرتفع، طالما جرى استهلاكها بوعي واعتدال، مع مراعاة الفروق الفردية بين الأشخاص.
ويُقدَّر متوسط استهلاك الفرد من القهوة بنحو كيلوغرامين سنويًا، غير أن استجابة الجسم للكافيين تختلف تبعًا للعوامل الوراثية ونمط الحياة والحالة الصحية العامة، ما يجعل تأثيرها غير موحد على الجميع، بحسب موقع ساينس ألرت.
ارتفاع ضغط الدم.. مرض بلا إنذار
يُعرَّف ضغط الدم بأنه القوة الناتجة عن تدفق الدم داخل الشرايين، ويُقاس بقيمتين: الضغط الانقباضي أثناء انقباض القلب، والضغط الانبساطي عند ارتخائه. وتُعد القراءات أقل من 120/80 ملم زئبقي ضمن المعدلات الطبيعية، في حين يُشخَّص ارتفاع ضغط الدم عند تسجيل 140/90 أو أكثر بشكل متكرر.
وتكمن خطورة هذا المرض في كونه غالبًا صامتًا، إذ لا تصاحبه أعراض واضحة في كثير من الحالات، ما يؤدي إلى تأخر اكتشافه وزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية واضطرابات الكلى. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو ثلث البالغين يعانون من ارتفاع ضغط الدم، بينما يجهل نصفهم تقريبًا إصابتهم به.
الكافيين وتأثيره المؤقت
يؤكد كلير كولينز – أستاذة التغذية وعلم التغذية، جامعة نيوكاسل، أن الكافيين، وهو العنصر المنبّه الرئيسي في القهوة، يعمل على تنشيط الجهاز العصبي وزيادة إفراز هرمون الأدرينالين، ما يؤدي إلى تسارع ضربات القلب وتضيّق الأوعية الدموية، وبالتالي ارتفاع مؤقت في ضغط الدم.
ويصل تركيز الكافيين في الدم إلى ذروته خلال فترة تتراوح بين نصف ساعة وساعتين من تناوله، ويستمر تأثيره لعدة ساعات، تختلف مدتها حسب العمر والعوامل الوراثية ومدى اعتياد الجسم على الكافيين. وتشير الدراسات إلى أن هذا التأثير قد يرفع الضغط الانقباضي بين 3 و15 ملم زئبقي، والانبساطي بين 4 و13 ملم زئبقي، إلا أن الزيادة غالبًا ما تكون محدودة لدى الأصحاء.
مكونات مفيدة تتجاوز الكافيين
لا تقتصر القهوة على احتوائها على الكافيين فقط، بل تضم مئات المركبات النباتية ذات التأثيرات الصحية الإيجابية. ومن أبرزها الميلانويدينات، التي تساهم في تنظيم توازن السوائل داخل الجسم، وحمض الكينيك، المعروف بدوره في تحسين مرونة الأوعية الدموية والمساعدة في خفض ضغط الدم.
ماذا تقول الدراسات العلمية؟
في تحليل علمي شمل 13 دراسة وأكثر من 315 ألف مشارك، لم يجد الباحثون علاقة مباشرة بين شرب القهوة وزيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، بغض النظر عن نوع القهوة أو الجنس أو نمط الحياة.
كما أظهرت دراسة يابانية طويلة الأمد أن الأشخاص المصابين بارتفاع شديد في ضغط الدم قد يواجهون مخاطر متزايدة عند تناول أكثر من فنجانين يوميًا، بينما لم تُسجل هذه المخاطر لدى من يعانون من ضغط طبيعي أو مرتفع بدرجة بسيطة.
استهلاك واعٍ.. توصيات خبراء
ينصح المختصون بعدم الامتناع الكامل عن القهوة، بل باتباع نمط استهلاك صحي ومتوازن، يشمل معرفة مستوى ضغط الدم والتاريخ الصحي الشخصي، والانتباه لمصادر الكافيين الأخرى، ومراقبة تأثير القهوة على الجسم.
كما يُفضَّل تجنب شرب القهوة قبل قياس ضغط الدم أو خلال ساعات المساء، للحد من اضطرابات النوم، مع الالتزام بالاعتدال في الاستهلاك، بحيث لا يتجاوز أربعة فناجين يوميًا، أو اللجوء إلى القهوة منزوعة الكافيين عند الحاجة.
وفي الحالات التي يتجاوز فيها الضغط الانقباضي 160 ملم زئبقي أو الانبساطي 100 ملم زئبقي، يُنصح بتقليل الاستهلاك إلى فنجان واحد يوميًا، مع استشارة الطبيب قبل إجراء أي تغيير.

