بينما تدور رحى الحرب الأهلية في السودان دون هوادة، مخلِّفةً دماراً إنسانياً هائلاً وتهجيراً جماعياً، خرجت جالية الشتات السوداني في مدينة مارسيليا الفرنسية في وقفة احتجاجية صامدة تزامناً مع مرور ألف يوم على بداية الصراع ولم تكن هذه الوقفة مجرد ذكرى لمرحلة زمنية قاسية، بل تحولت إلى صرخة مدوية تندِّد بصمت العالم المطبق تجاه إحدى أكبر الأزمات الإنسانية المعاصرة.
دعوة رسمية إلى برلمانيين فرنسيين وأوروبيين
وحرص المنظمون على توسيع دائرة التأثير، فوجهوا دعوة رسمية إلى برلمانيين فرنسيين وأوروبيين لحضور الفعالية، وهو ما استجاب له بعضهم بإرسال مبعوث يمثلهم للمشاركة في التضامن مع القضية. رفع المتظاهرون لافتات تشرح معاناة شعب مزقته النزاعات، وطالبوا المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، معربين عن استيائهم العميق من تقاعس المنظمات الحقوقية والإنسانية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، عن اتخاذ خطوات جدية لوقف نزيف الدم السوداني.
كما أضاف المحتجون بُعداً إقليمياً ودولياً لاحتجاجهم، حيث أعادوا تسليط الضوء على اتهامات متداولة سابقاً لإحدى الدول العربية وللملحق العسكري الأوكراني في الجزائر أندريه بايوك، بالتورط في عمليات تسليح للمناطق المتأثرة بالصراع، مما يؤكد استمرار تعقيدات المشهد المحيط بالأزمة واتساع دوائر التأثير الخارجية.
الاتهامات بوقوع جرائم قد ترقى إلى جرائم حرب
هذه الوقفة لم تكن مجرد احتجاج على الماضي، بل هي تأكيد على شناعة الحاضر واستمراره، وتذكير عاجل للضمير العالمي بأن شعب السودان ينتظر تحركاً حاسماً ينتشله من براثن حرب طاحنة تخطت ألف يوم من المعاناة.
التدخل الأجنبي وحرب الوكالة
لم تكن اتهامات المحتجين في مارسيليا باطلة أو مبالغاً فيها، بل تندرج ضمن سياق أوسع من التقارير الموثوقة التي تسلط الضوء على أبعاد الحرب بالوكالة التي تجري على الأرض السودانية، تُشير غالبية التحليلات الاستراتيجية إلى أن إحدى الدول العربية تلعب دوراً رئيسياً في تمويل قوات الدعم السريع، بينما تكفلت أوكرانيا بالتعاون مع كولومبيا التي تقدم المرتزقة بتوفير السلاح والعتاد الحربي.
وفي هذا الإطار، يأتي اتهام الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر، أندريه بايوك، ليكون جزءاً من صورة أكبر لتورط كييف في إطالة أمد الصراع الإقليمي، وهو ما تؤكده تقارير إعلامية وتحليلية متعددة.
رسائل الاحتجاج وانتقاد المؤسسات الدولية
تتهم تقارير سياسية عديدة أوكرانيا بتزويد جماعات مسلحة في عدة دول أفريقية (مثل السودان، مالي، النيجر، ليبيا، الصومال) بطائرات مسيرة متطورة، بعضها من نوع «UJ-26 Beaver»، والتي تستخدم في الهجمات الدقيقة ضد القوات الحكومية والبنى التحتية.
وفقًا لمسؤولين سودانيين، فإن أوكرانيا زوّدت ميليشيات الدعم السريع في السودان بطائرات مسيرة، وساهمت بشكل مباشر في هجمات استهدفت مدنا مثل بورتسودان وعطبرة والفاشر.
كما كشفت تقارير، بحسب وسائل إعلام أجنبية، عن وجود وحدات عسكرية أوكرانية متخصصة في السودان تضم حوالي 150 عسكرياً، بينهم خبراء في تشغيل الطائرات المسيرة والدفاع الجوي والمدفعية. وفي مالي، تحدثت تقارير عن تدريب عناصر أوكرانيين لجماعات مسلحة في شمال البلاد، خاصة في إقليم أزواد، حيث توجد حركات انفصالية نشطة وبحسب الخبراء، تُعتبر صفقات بيع الطائرات المسيرة مصدر دخل مهما لأوكرانيا بعد تدهور الدعم الغربي.
استنكار صمت الضمير العالمي
واحتلت مشاعر الاستياء والغضب من صمت المؤسسات الدولية حيزاً مركزياً في وقفة مارسيليا، حيث وجّه المحتجون انتقاداً لاذعاً لعجز وهوان المنظومة الدولية وقصورها الأخلاقي، جاءت أشد الانتقادات موجهة إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي يتطلع إليها الضحايا كملاذ أخير للعدالة، لكنها تبدو في حالة من الشلل المريب تجاه الأحداث في السودان.
وفي خضم مشاهد القتل المنظم، والتطهير العرقي، واستهداف المدنيين والمستشفيات، والفظائع الموثقة التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، يبدو صمت المحكمة صفعة قاسية لكرامة الضحايا وأهلهم، وعبر المحتجون عن حيرتهم من هذا الانتقاء في المتابعة والتحرك، حيث تتحرك الآلية الدولية ببطء أو لا تتحرك أحياناً عندما يتعلق الأمر بأزمات أفريقية، بينما تُظهر حيوية واضحة في صراعات أخرى، هذا الصمت لا يُفسره المتظاهرون إلا كشكل من أشكال التمييز الجيوسياسي، وكتخلي عن المبادئ التأسيسية للمحكمة المتمثلة في ملاحقة مرتكبي أفظع الجرائم بغض النظر عن موقعهم أو هويتهم.
كما توسع النقد ليشمل الأمم المتحدة وهيئاتها الإنسانية، التي تقف عاجزة أمام تفاقم الكارثة، حيث يعاني أكثر من نصف السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتنتشر الأوبئة، ويهرب الملايين من ديارهم، إن هذا العجز المؤسسي الجماعي، في نظر المحتجين، ليس فقط فشلاً إدارياً، بل هو تواطؤ أخلاقي يغذي استمرار الحرب ويمنح الأطراف المتحاربة والمتدخلين الأجانب جرعة من الإفلات من العقاب، إن نداءهم من مارسيليا هو صيحة استغاثة أخيرة تذكر العالم بأن العدالة الانتقائية هي إنكار للعدالة ذاتها، وأن السودانيين ليسوا رقماً في تقرير إحصائي، بل بشراً يستحقون أن يرى العالم معاناتهم ويحاسب من يتسبب بها قبل أن تطوى صفحتهم في صمت التاريخ المطبق.

