ليس أول ما يلاحظ في الكسوف ما تراه العين، بل ما يشعر به الإنسان فجأة، يخفت صخب النهار، تتوقف الطيور عن تغريدها، وتبدو أشعة الشمس وكأنها فقدت بريقها المعتاد في تلك اللحظات، يرفع الناس رؤوسهم إلى السماء بفضول نادر، بينما يسود إحساس غامض بأن الطبيعة نفسها توقفت لبرهة.
هذا المشهد لن يكون خيالا قريبا، إذ يؤكد علماء الفلك اقتراب أطول كسوف شمسي يشهده هذا القرن فى أغسطس 2027.
موعد مع ظلام استثنائي
وضع الفلكيون التاريخ المنتظر على التقويم باللون الأحمر، حيث سيشهد العالم كسوفا شمسيا طويلا ونادرا يمتد عبر عدة مناطق.
خلال دقائق قليلة، سيتحول وضح النهار إلى شبه ليل، بينما تختفي الشمس تمامًا خلف قرص القمر، تاركة خلفها هالة ضوئية فضية أو ظلالا داكنة تحيطها خيوط من الضوء الشبحية.
وعلى الرغم من أن توقيت الحدث قد يبدو عاديا في نشرات الطقس والتقويمات الرقمية، فإن الواقع سيكون مختلفا تمامًا.
سيخرج الناس إلى الشرفات والساحات والحقول، يتشاركون نظرة واحدة نحو السماء، ويعيشون لحظة كونية لا تتكرر كثيرًا في العمر.
مدن تستعد لليوم الاستثنائي
في المناطق الواقعة تحت مسار الكسوف، بدأت الاستعدادات مبكرًا، فالفنادق تستعد لتدفق الزوار، والهيئات السياحية تترقب حدثا قد يحول صباحا عاديا إلى مهرجان كوني مفتوح.
التجارب السابقة تشير إلى حجم الحماس المتوقع، ففي كسوف 2017، شهدت بعض المدن ازدحامات مرورية هائلة ونفاد الوقود والمستلزمات مع تدفق الملايين لملاحقة ظل القمر.
لكن هذه المرة، التوقعات تشير إلى حدث أطول وأكثر إثارة، إذ قد تغرق بعض المناطق في شبه ظلام لعدة دقائق متواصلة، وهي مدة كافية لتتحول اللحظة إلى ذكرى لا تنسى لحظات تأمل، أو دموع فرح، أو حتى قرارات مصيرية تتخذ تحت ظل القمر.
سر الطول الاستثنائي
يرجع طول هذا الكسوف إلى ما يصفه العلماء بـ"الهندسة الفلكية المثالية"، فالقمر سيمر أمام الشمس بمحاذاة شبه دقيقة، بينما يكون قريبًا بما يكفي من الأرض ليحجب قرص الشمس بالكامل لفترة أطول من المعتاد هذه المحاذاة النادرة بين المسافات وزوايا المدارات تصنع عرضا سماوي فريدا لا يتكرر كثيرًا.
يعتمد الفلكيون في توقع مثل هذه الظواهر على دورات زمنية طويلة تُستخدم لتتبع تكرار الكسوفات، ما يسمح لهم بتحديد توقيتات دقيقة قبل سنوات بل عقود من وقوعها.
ظل يعبر القارات وذاكرة تصنعها السماء
من المتوقع أن يعبر ظل الكسوف عدة دول ومدن كبرى، وقد يضع مناطق صغيرة على خريطة الاهتمام العالمي ليوم واحد فقط، حيث إنه خط رفيع على الخرائط، لكنه يحمل قصصا مختلفة لكل من يقف تحته دهشة طفل، صمت عاشقين، أو تأمل إنسان يراقب السماء وكأنه يراها للمرة الأولى.
لا يُعد الكسوف مجرد ظاهرة فلكية، بل تجربة إنسانية نادرة تذكرنا بضآلة لحظاتنا أمام عظمة الكون دقائق قليلة يتحول فيها النهار إلى ليل، لكنها تترك أثرا يدوم طويلا في الذاكرة.




