يعد الدكتور مفيد شهاب الذي رحل عن دنيانا منذ ساعات قليلة عن عمر ناهز الـ 90 عاما، أحد أعلام القانون الدولي في مصر، حيث شغل في السابق عدة مناصب حكومية أبرزها رئيس جامعة القاهرة ووزير التعليم العالي الأسبق ووزير المجالس النيابية والشئون القانونية سابقا.
كما إنه كان من أبرز القانونيين المصريين الذين شاركوا في قضية استرداد طابا، بجانب دوره ومشاركته أيضاً في إعداد الرأي المصري الرسمي حول قضية تيران وصنافير.
كواليس قضية استرداد طابا
وكانت للدكتور الراحل دور قوي في قضية طابا، والتي قال عنها – في تصريح سابق – أن مشاركته في اللجنة القومية للدفاع عن طابا تعد أهم المحطات الفارقة في حياته، قائلا: "كنت مسئولا عن الجانب القانوني للوفد المصري في المفاوضات، حتي صدر الحكم يوم 29 سبتمبر عام 1988 بإعلان طابا أرضا مصرية".
واستطرد: "لا أزال أتذكر لحظة بكاء أعضاء اللجنة من الفرحة، وكانت تلك اللحظة علامة فارقة في حياتي. لذا، تعد سنوات عملي في هذه القضية من أهم وأسعد أيام حياتي العملية، وأعتز بها كثيرا، خاصة أنها توجت بانتصار عظيم، وكللت جهود اللجنة التي عملت بحس وطني عال، وبكل إخلاص. لذا فأحب صفة لدي هي مفيد شهاب عضو هيئة الدفاع عن طابا المصرية".
تشكيل لجنة استرداد طابا
وتعد قضية استرداد طابا، واحدة من أهم انتصارات الدبلوماسية المصرية التي شارك فيها الدكتور مفيد شهاب علي مدي 6 سنوات، حتي التحكيم الدولي وصدور الحكم النهائي من هيئة التحكيم لمصلحة مصر ورفع العلم المصري علي طابا 1989.
وحول تشكيل لجنة استرداد طابا، قال شهاب أن المفاوضات الدولية تعد علما وفنا، وهذا العنوان أخذه من الأستاذ الأمريكي باكستر، الذي ألف كتاب" المفاوضات الدولية علم وفن"، لذلك فقد استفاد كثيرا من مرحلة التفاوض علي طابا، حيث كان بصحبة أساتذة ذوي كفاءة عالية في التفاوض ومهارة رائعة في توزيع الأدوار والقدرة علي معرفة أفكار من يتم التفاوض معهم، وما هو الحد الأدني الأقصي لما يمكن أن يقبل به خاصة أن فن التفاوض يحتاج الي صبر شديد، وأن تضع عدة بدائل.
وشدد على أن الأهم في التفاوض، الحس الوطني والخبرة والتخصص. فمثلا، إذا كنت تريد التفاوض في قضية حدود، فيجب أن تأتي بأحد خبراء المساحة والجغرافيا، والقانون، فالتخصص مهم جدا. لكن الفهلوة لا تفيد في مثل هذه الأزمات، خاصة عند التفاوض في أزمة قومية لها أبعاد ومشكلات، ولابد من الاعتماد علي الأسلوب العلمي والخبراء والمتخصصين وروح الفريق الجماعي.
الانضمام لفريق الدفاع
وعن كواليس انضمامه لفريق الدفاع عن طابا، فقال إنه عندما شكلت اللجنة القومية لطابا، طلب الرئيس الأسبق مبارك من عصمت عبدالمجيد الاستعانة بأساتذة قانون وأساتذة جغرافيا وأساتذة تاريخ وخبراء مساحة وعسكريين وسفراء لدراسة الملف، وقيل له إن هناك أستاذا للقانون الدولي في الكويت وهو الدكتور مفيد شهاب، وطلب منهم الاستعانة به وكلمه بالفعل أسامة الباز، وقال له إن الرئيس يريد مقابلتك، وقابل الرئيس مبارك، وطلب منه أن يدرس الملف وقضية طابا، وقال له إنها أرض بمصر، واليهود لا يريدون أن يتركوها.
وقال له أمامك 4 أو5 أيام وتبلغه برأيه حول القضية، وأبلغ الرئيس بأن موقفنا قوي وأن طابا ملك لنا، وذلك بعد قراءة كتب حافظ سلطان وكتب حافظ غانم والخرائط والمستندات. ثم طلب منه الرئيس عدم الرجوع إلي الكويت، وبالفعل عاد إلي مصر ودرس ملف طابا، وطلب الرئيس تشكيل لجنة قومية من خبراء التاريخ والجغرافيا لدراسه وأبلغوا الرئيس بأن موقفنا قوي.
وأضاف الراحل: بدأت المفاوضات، واستمرت فترة طويلة جدا، حيث إن خط الحدود من رفح المصرية شمالا إلي طابا علي خليج العقبة جنوبا 240 كيلو مترا، طبقا لاتفاقية السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل عام 1979. وكان يوجد إعلان مبادئ في البداية في كامب ديفيد 1978، ونص علي مجموعة من الأسس، منها "انسحاب إسرائيل، واعتراف مصر بإسرائيل، وتبادل دبلوماسي... "إلخ، ثم تحولت إلي اتفاقية تفصيلية ملزمة في ملاحق 1979، نصت علي الانسحاب من جميع الأراضي المصرية، علي عدة خطوات، جزء منها عام 1980، وجزء عام 1981، وجزء عام 1982، وآخر جزء يتم الانسحاب منه 25 أبريل 1982، ويرفع رئيس الجمهورية العلم المصري علي العريش، إيذانا بأن مصر استرجعت جميع أراضيها.
مماطلة إسرائيلية
وتم تشكيل لجنة مشتركة تشرف علي الانسحاب، وتمت المراحل الأولي، والثانية، والثالثة من الانسحاب. وعندما اقترب يوم 25 أبريل 1982 لم ينسحب الإسرائيليون من بعض المواقع، منها العلامة 91 الحدودية. وهي عبارة عن فلنك حديد وقاعدة خراسانية، حيث لا توجد حدود طبيعية، كالجبال، كما لا يوجد سكان، ولا زرع، ولا حياة. وماطلت إسرائيل في الانسحاب في 25 أبريل 1982، واعتقدوا أن المصريين سيرضخون في النهاية، لأنهم يريدون إعلان تحرير أرضهم، لذا سوف تحتفظ بـ"طابا"، ومنطقة النقب، وعلامات أخري صغيرة، إلي جانب الاختلاف الذي حدث وقت الانسحاب عند العلامة رقم 7، وبعض العلامات الأخري، علي غرار العلامات 56، و51، و46، والفرق حول تلك العلامات بين ما يقوله المصريون والإسرائيليون ما بين 20 و30 مترا. لكن الخلاف الحقيقي كان حول العلامات 87، و86، و85، و88، وهذه المنطقة تسمي رأس النقب. وفي حالة صحة قولهم، فإن ذلك يعني أن تكون هناك مساحة تصل إلي 5.5 كيلو متر تابعة لهم داخل الحدود المصرية، وهي منطقة استراتيجية وطابا بجانبها.
واستمر التفاوض حتي 1985. وفي تلك الفترة، حرص الإسرائيليون علي زيادة العلامات الصغيرة لتعقيد الأمور أمامنا، حتي نصاب بالملل، ونترك القضية، حيث إن اتفاقية السلام تنص علي أن أي نزاع ينشأ بسبب تنفيذها إذا لم يتم حله بالتفاوض، فإنه يحل بالتوفيق أو اللجوء إلي التحكيم. وقد طالب الإسرائيليون بالدخول في مرحلة التوفيق ورفضنا، لأن التوفيق يعني أن تستعين بطرف ثالث يقترح حلا وسطا تقبل أو لا تقبل بهإسرائيل، كونه يعد مجرد رأي استشاري. لكن التحكيم يختار محكمين متفقا عليهم، يطبقون القانون، ولا توجد حلول وسطية، ويصدر حكم ملزم بواسطة محكمين وقضاة، وكتبت وقتها مقالا بالأهرام تحت عنوان "نعم للتحكيم لا للتوفيق".
في ذلك التوقيت، حدث أن شيمون بيريز كان يريد مقابلة الرئيس مبارك، فرفض مقابلته، حتي تعلن إسرائيل الموافقة علي التحكيم، وبالفعل وافق علي ذلك، وطلب من الوفد الإسرائيلي المنسحب من المفاوضات البقاء، حيث كان يقيم بمينا هاوس. وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية الموافقة علي التحكيم. وبدأت مفاوضات جديدة مع إسرائيل لإبرام اتفاقية التحكيم.
التحكيم لا التفاوض
ولكن حول السبب في إصرار الدكتور مفيد شهاب علي مبدأ التحكيم بدلا من التفاوض، رغم أن الممثل للقانون الإسرائيلي كان يصر علي التفاوض فيما يتعلق بقضية طابا، فأجاب شهاب أن التفاوض لا يأتي بنتيجة إلا إذا وافق الطرفان، وكل ما كنا نوافق عليه كان يرفضه الجانب الاسرائيلي، لذا لم نصل إلي نتيجة.فكان لا بد من اللجوء إلي طريقة إلزامية، طبقا القانون الدولي، ووفقا لميثاق الأمم المتحدة، في المادة 33 التي تنص علي أن أي نزاع ينشأ بين الدول يحل عن طريق التفاوض، أو لجان تقصي الحقائق، أو التوفيق، أو الوساطة، أو الالتجاء إلي التحكيم، أو القضاء الدولي "محكمة العدل الدولية".
فالتحكيم والقضاء الدولي وسيلتان قانونيتان ملزمتان، وما عداهما وسائل سياسية غير ملزمة، لا تنتهي بحل برضا الطرفين. فالتفاوض وسيلة للحل برضا الطرفين. وقد استمرت المفاوضات 5 أو6 سنوات ولا يوجد رضا. والتوفيق صورة من ثمار التفاوض، وتأتي بطرف آخر يساعدك. لكن التحكيم يقدم المرافعات والشهود والمذكرات القانونية، لذلك شكلت اللجنة القومية لطابا، بعد إبرام اتفاقية التحكيم، ووضعت بها الشروط.
واستطرد الوزير الراحل، أن الفريق المصري استمر في التفاوض بكل دقة ما يقرب من 6 أو 8 أشهر حول 11 مادة، وتم التوقيع في ميناهاوس في سبتمبر 1986 الساعة الثالثة صباحا، وتم عدد المحكمين، وتوقيت المرافعات، وتقديم المذكرات، إذ تم تحديد خمسة محكمين معروفين بالحياد، أحدهم مصري هو محمد سلطان، ومحكمة إسرائيلية، وسويسري، وفرنساوي، كان رئيس محكمة النقض، وآخر سويدي، كان رئيسا في محكمة، وكان رئيس التحكيم رول أوف كاتش في النزاع الحدودي بين باكستان والهند.
وبدأ التحكيم واستمر ما يقرب من 3 أو4 سنوات، وقدموا المذكرات المكتوبة، إضافة إلي 5 مرافعين، لكل واحد ساعة، وكان شهاب من بينهم، وأحمد صادق، وجورج أبي صعب، مصري يعيش في جنيف، أستاذ في معهد الدراسات الدولية، وطلعت الغنيمي أستاذ قانون دولي في جامعة الإسكندرية، وصلاح عامر صديق له في كلية الحقوق، وأستاذ تاريخ عظيم هو الدكتور يونان لبيب رزق، وأستاذ الجغرافيا يوسف أبو الحجاج رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة عين شمس، بالإضافة إلي مساعدة القوات المسلحة، حتي إن هناك ضابطا برتبة عقيد كان يتولي حمل وحماية خريطة منذ عام 1906 بين مصر والإمبراطورية العثمانية، عندما حصلت مصر علي الحكم الذاتي، وأصبحت ولاية مستقلة، توضح حدود مصر مع فلسطين تحت الانتداب. وقد سلم الرئيس مبارك الخريطة التي كانت في حقيبة بأرقام سرية. ورأت المحكمة أن موقف مصر قوي بالنسبة لطابا، وكان ذلك في 29 سبتمبر 1988، وأصدرت منطوق الحكم بأن 10 علامات هي العلامات التي اختارتها مصر، منها طابا، و4 علامات في رأس النقب، كلها مصرية، والعلامات الأخري عددها 9 علامات، 4 علامات منها قالت إسرائيل إنها صحيحة، والعلامتان 49 و14 الفرق بينهما أمتار قليلة.
اعتراف إسرائيلي بقوة الموقف المصري
وأقرت المحكمة بالإجماع أن موقع العلامة 7 هو الذي قدمته مصر، وهو ما يعني موافقة القاضية الإسرائيلية، وأن العلامة 14 هي الموقع الذي قدمته إسرائيل، والقاضي المصري موافق بمعني أنها علامات ليست ذات قيمة. وصدر الحكم لمصر بطابا ورأس النقب، و4 علامات أخري، وإسرائيل 4 أيضا. هنا، ثارت المحكّمة الإسرائيلية روزله بوتوس أستاذ قانون دولي في جامعة تل أبيب بحيفا، وقالت إن الحكم باطل ولا تعترف به، ورد عليها رئيس المحكمة وقال لها: من حقك إرفاق وجهة نظرك مع الحكم الصادر بالأغلبية، وهو من حق القاضي في محكمة العدل، أو في محكمة التحكيم، بأن يعبر عن عدم موافقته علي الحكم لأسباب يتم توضيحها ويرفقها، لكن لا يؤثر وليست له قيمة، لأن حكم الأغلبية صدر في جلسة علنية.
وأضاف: هنا، يتذكر أنه خلال جلسة شاي عقب صدور الحكم، جاء المستشار القانوني للوفد الإسرائيلي، وقال: كنا نعلم أن طابا ملك لكم، لكن لم ندرك أنكم قادرون علي الدفاع عن القضية بهذا الشكل الرائع، والترافع بكل هدوء وبدون انفعال، وبتقديم وثائق وخرائط منظمة، ومذكرات مكتوبة بشكل صحيح، وشهود محترمين، مثل كمال حسن علي رئيس وزراء مصر الأسبق، الذي جاء علي مقعد، ولا يستطيع التحرك ويدلي بشهادته، وإسماعيل شيرين وزير الدفاع المصري، وكان متزوجا من الإمبراطورة فوزية شقيقة الملك فاروق، ورافق الملك فاروق في المحروسة يوم 26 يوليو، وكان يعيش في جنيف وقدم صورا له في طابا كشاهد يقف بجانب شجرة الدوم، وقدم رسالة أرسلها لزوجته عن وقوفه مع الجنود المصريين بالطربوش والزي العسكري المصري، وقدم ذلك كشهادة له بأنه كان موجودا في طابا عام 1949 في أثناء الهدنة، وشخص آخر يوغوسلافي كان ضمن قوة الطوارئ الدولية وموجود في طابا وقال إنه سلم الموقع لقائد مصري، وهذا معناه أنها أرض مصرية.
لذا تعد معركة الدفاع عن طابا ملحمة كبيرة، ونتاج تعاون دبلوماسي وأمني وقومي. وقال: فعلي سبيل المثال، عندما اقترحنا ترشيح سايروس فانس وزير خارجية أمريكا الأسبق كمحكم تختاره مصر، رفضه الإسرائيليون، بحجة أنه متعاطف مع العرب. في المقابل، عندما كانوا يقومون بترشيح أحد الأشخاص، كنا نتحري عنه من خلال سفاراتنا في الخارج. وإذا عرفنا أنه متعاطف أو مؤيد للإسرائيليين، كنا نرفضه، لذا فهم استغلوا مخابراتهم وسفراءهم في كل خطوة، وكذلك فعلنا نحن، وهو ما جعلها قضية تعبر عن تلاحم كل مؤسسات الدولة للدفاع عن ترابها وأرضها.


