تصاعدت حدة التوتر الدولي خلال الفترة الأخيرة على خلفية البرنامج النووي الصيني، وسط اتهامات متبادلة بين القوى الكبرى حول اتجاهات بكين الاستراتيجية في مجال الأسلحة النووية.
الولايات المتحدة تتهم الصين بتطوير جيل جديد من الأسلحة النووية ذات القدرات غير المسبوقة، وإجراء اختبارات سرية لتحديث ترسانتها. بينما ترفض روسيا هذه المزاعم، معتبرة أنها اتهامات بلا أساس، في مؤشر واضح على احتدام التنافس بين القوى النووية الكبرى في ملف شديد الحساسية يرتبط مباشرة بالأمن والاستقرار العالمي.
وتأتي هذه التطورات في سياق سباق تسلح متسارع، حيث تعكف الصين على تطوير قدراتها النووية والتكنولوجية لتواكب القوى الكبرى الأخرى، وهو ما دفع واشنطن للتعبير مراراً عن قلقها إزاء تحديث الترسانة الصينية.
وتعتبر إدارة الرئيس الأمريكي أن استمرار بكين في تعزيز ترسانتها النووية يمثل خطوة نحو تعزيز التفوق الاستراتيجي، وقد يغير قواعد اللعبة في موازين القوى النووية عالمياً.

خلفية البرنامج النووي الصيني
تشير شبكة “سي إن إن” الأمريكية إلى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تعتقد أن الصين تعمل على تطوير جيل جديد من الأسلحة النووية، وقد أجرت اختباراً نووياً واحداً على الأقل في إطار عملية تحديث ترسانتها النووية. وتضيف الشبكة أن الاستثمارات الممنوحة للترسانة النووية الصينية ستمكن بكين من امتلاك قدرات تقنية لا تمتلكها حالياً أي من القوى النووية الكبرى، وهو ما قد يعيد تشكيل موازين القوى النووية العالمية.
ويعتبر تقرير وزارة الحرب الأمريكية الصادر في ديسمبر 2025 مرجعاً أساسياً لفهم حجم التحديث في الترسانة الصينية، حيث أشار التقرير إلى أن الصين قد تصل ترسانتها إلى ألف رأس نووي بحلول عام 2030، بعد أن كانت تمتلك أكثر من 600 رأس نووي عام 2024. ويتوقع التقرير أن تستمر الترسانة الصينية في النمو حتى عام 2035 على الأقل، ما يعكس توجه بكين نحو تعزيز قدراتها الردعية والهجومية في آن واحد، وسط منافسة استراتيجية مكثفة مع الولايات المتحدة ودول أخرى.
تفاصيل البرنامج النووي الصيني
تشير المصادر الأمريكية إلى أن الصين أجرت اختباراً نووياً تفجيرياً سرياً في يونيو 2020 في منشأة لوب نور شمال غربي البلاد، على الرغم من الوقف الذاتي الذي فرضته منذ عام 1996. وتعتبر هذه الخطوة جزءاً من مساعي بكين لامتلاك أسلحة نووية من الجيل الجديد. وتستهدف الجهود الصينية تطوير أنظمة تسليح قادرة على حمل عدة رؤوس نووية مصغرة في صاروخ واحد، فضلاً عن تطوير أسلحة نووية تكتيكية منخفضة القوة لأول مرة في تاريخ البلاد.
من أبرز الصواريخ الصينية الباليستية العابرة للقارات صاروخ “دي إف-27”، الذي يراوح مداه بين 5 و8 آلاف كيلومتر، ما يمكنه من استهداف ألاسكا وهاواي وحتى البر الرئيسي للولايات المتحدة. وقد نشر جيش التحرير الشعبي الصيني صواريخ باليستية في نحو 320 صومعة إطلاق موزعة في المناطق الصحراوية شمالي البلاد، بالقرب من الحدود مع منغوليا، ويعتقد أن أكثر من 100 صومعة تحتوي على صواريخ “دي إف-31” العاملة بالوقود الصلب.
ردود الفعل الدولية والتداعيات
رغم التحذيرات الأمريكية، وصفت موسكو هذه المزاعم بأنها “لا أساس لها”، مؤكدين أن الاتهامات الأمريكية لا تستند إلى أدلة موثوقة. وأشار المبعوث الروسي لدى المنظمات الدولية في فيينا، ميخائيل أوليانوف، إلى أن محاولات واشنطن لاتهام الصين بإجراء تجارب نووية لا تستند إلى أسس صحيحة، وهو ما يعكس انقسامات واضحة بين القوى الكبرى حول تقييم تطورات الترسانة الصينية.
وتعتبر الولايات المتحدة أن تحديث الترسانة النووية الصينية يمثل تهديداً محتملاً لتوازن القوى النووية التقليدي، ويثير مخاوف من سباق تسلح جديد يمكن أن يؤدي إلى توترات عسكرية استراتيجية على مستوى العالم. وفي المقابل، ترى الصين أن هذه المزاعم جزء من حرب إعلامية تهدف إلى تقييد تطورها العسكري، بينما تؤكد على التزامها بالاتفاقيات الدولية الخاصة بالأسلحة النووية.
يبرز البرنامج النووي الصيني كأحد الملفات الأكثر حساسية في العلاقات الدولية اليوم، لما يحمله من تأثير مباشر على الأمن العالمي واستقرار الشرق الأقصى والمحيط الهادئ. ومع استمرار تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والرؤوس النووية الحديثة، يبقى السباق بين القوى الكبرى حول الترسانة النووية الصينية تحت المراقبة الدولية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأمريكية وتستمر موسكو وبكين في تأكيد موقفهما الدفاعي والاستراتيجي. ويبدو أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة لتحديد مدى تأثير التحديث النووي الصيني على الأمن الدولي والسباق الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين.