قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ليالي رمضان.. حين تهمس حكايات الحب المكبوتة في الرواية العربية

شهر رمضان
شهر رمضان

لم يكن شهر رمضان في الرواية العربية مجرد خلفية زمنية للأحداث، بل تحوّل في كثير من الأعمال إلى فضاء دلالي كثيف، تتقاطع فيه الروحانيات مع التحولات الاجتماعية، وتنكشف عبره طبائع الشخصيات وصراعاتها، فمن الأزقة الشعبية إلى القصور، ومن أجواء السكينة إلى توترات السياسة والحياة اليومية، حضر رمضان باعتباره مرآة للمجتمع العربي في لحظة صفاء واختبار.

من أبرز الأعمال التي قدّمت صورة بانورامية لرمضان رواية الثلاثية للأديب المصري نجيب محفوظ، حيث شكّل الشهر الكريم جزءًا أصيلًا من النسيج السردي في «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية». 

في أحياء القاهرة القديمة، تتجلى طقوس الإفطار الجماعي، وصلاة التراويح، وسهرات السمر، بوصفها علامات على تماسك العائلة التقليدية التي يمثلها السيد أحمد عبد الجواد، غير أن رمضان في الرواية ليس فقط موسم عبادة، بل أيضًا لحظة تتكثف فيها التناقضات بين سلطة الأب المحافظة وتطلعات الأبناء إلى التغيير، في سياق اجتماعي وسياسي متحوّل مع بدايات القرن العشرين.

ويلاحظ نقاد أن محفوظ استخدم أجواء رمضان ليعكس التوازن الدقيق بين الظاهر والباطن؛ فبينما تبدو العائلة محافظة ومتماسكة، تتكشف في ليالي الشهر حكايات الحب المكبوتة، والقلق من المستقبل، وتبدلات القيم، وهكذا يغدو رمضان إطارًا رمزيًا لامتحان الأخلاق، ومرآة لتحولات المدينة المصرية.

في سياقات أخرى، حضرت أجواء الشهر في روايات عربية بوصفها زمنًا للصفاء الروحي أو للمراجعة الداخلية، فبعض الأعمال توظف الصوم باعتباره تجربة وجودية، يتأمل فيها الأبطال معنى الحرمان والانضباط والتوبة، وفي روايات تنتمي إلى الواقعية الاجتماعية، يظهر رمضان كموسم تتصاعد فيه حركة الأسواق، وتنتعش العلاقات العائلية، وتنكشف في الوقت ذاته الفوارق الطبقية، إذ تتجاور موائد البذخ مع موائد البسطاء.

كما استثمرت روايات معاصرة رمزية الهلال وبدايات الشهر ونهاياته للتعبير عن دورات الزمن، حيث يتزامن رمضان مع تحولات مصيرية في مسار الشخصيات، فالشهر الذي يرتبط في الوجدان الجمعي بالرحمة والمغفرة، قد يتحول سرديًا إلى لحظة مواجهة حاسمة، أو إلى مساحة لتعرية النفاق الاجتماعي حين تتناقض الشعارات الدينية مع السلوك الفعلي.

وفي الرواية المغاربية والخليجية، تتخذ صورة رمضان أبعادًا محلية خاصة، تعكس خصوصية البيئات الثقافية؛ من أهازيج المسحراتي، إلى المجالس والسهرات العائلية، وصولًا إلى العادات المرتبطة بالأطعمة والملابس والزيارات، ويبرز هنا البعد الأنثروبولوجي في السرد، حيث يوثق الروائيون تفاصيل الحياة اليومية بوصفها جزءًا من الذاكرة الجمعية.

ويرى متابعون أن حضور رمضان في الرواية العربية يعكس وعيًا بأهمية الزمن الديني كعنصر بنائي في العمل السردي، إذ يمنح الكاتب فرصة لتكثيف الحدث، وتسريع الإيقاع، ووضع الشخصيات في اختبار أخلاقي واجتماعي، كما يمنح القارئ مساحة للتأمل في العلاقة بين التدين الفردي والتحولات المجتمعية.

هكذا، لم يكن رمضان في الرواية العربية مجرد شهر عابر في التقويم، بل مساحة رمزية خصبة، استثمرها الكتّاب لتشريح المجتمع، ورصد تحولات القيم، والتقاط لحظات الصفاء والاضطراب معًا. وبين الأزقة القاهرية عند محفوظ، وأحياء ومدن عربية أخرى في أعمال لاحقة، ظل الشهر الكريم زمنًا سرديًا بامتياز، تتداخل فيه الروحانية بالحياة اليومية، ويغدو فيه الأدب شاهدًا على نبض المجتمع في أكثر أوقاته كثافة وخصوصية.