كشفت البعثة الأثرية المصرية بين المجلس الأعلى للآثار و مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث عن خبيئة من التوابيت الملونة بداخلها مومياوات، بالإضافة إلى مجموعة من البرديات النادرة من عصر الانتقال الثالث، وذلك أثناء أعمال الحفائر الأثرية بالزاوية الجنوبية الغربية من فناء مقبرة سنب بمنطقة القرنة بالبر الغربي بالأقصر.
وفى إطار ذلك يلقى خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملِة الدفاع عن الحضارة المصرية الضوء على المفردات الأثرية الواردة بالكشف في رصد تحليلى موضحًا أن الخبيئة في علم الآثار هي مكان سري أو مخبأ استخدمه المصريون القدماء لإخفاء مجموعة من الآثار، المومياوات، أو المقتنيات الجنائزية.
كشف خبيئة الأقصر
أوضح الدكتور عبدالرحيم ريحان، أن هدف الخبيئة حمايته الآثار من السرقة أو التلف في عصور الاضطراب السياسي أو عند تعرض المقابر للخطر ولم تكن الخبيئة في الأصل مقبرة للبناء بل وسيلة لحفظ الكنوز والمومياوات الملكية أو الخاصة بالكهنة في أماكن آمنة وبعيدة عن الأعين.
أشار الدكتور ريحان، إلى أمثلة شهيرة من الاكتشافات الأثرية السابقة للخبيئة ومنها الخبيئة الملكية (مقبرة 320) بالدير البحري والتي ضمت مومياوات وتوابيت لملوك ونبلاء وخبيئة باب الجُسس التي احتوت على أكثر من 150 تابوتًا لكهنة وكاهنات الإله آمون وخبيئة العساسيف التي كشفت عن عشرات التوابيت الملونة.
تابع أن القيمة العلمية لهذه الاكتشافات تُعد "كنوزًا معلوماتية" تتيح للعلماء دراسة العادات الجنائزية والمعتقدات الدينية والنظم الكهنوتية فضلاً عن الحالة الفنية لتلك العصور وأن الأهمية السياحية لهذه الاكتشافات تعد مقتنيات هامة للمتاحف وعنصر جذب للزوار لقيمتها التاريخية والأثرية والفنية ورسومها الملونة الرائعة.
ونوه الدكتور ريحان إلى معنى "منشد آمون" أو منشدة آمون هو لقب ديني وظيفي بارز في مصر القديمة كان يُطلق على طبقة من الكهنة أو المرتلين المكلفين بأداء الطقوس الإنشادية والتراتيل داخل معابد الإله "آمون" وكان هؤلاء الأفراد جزءًا من الهيكل التنظيمي للمعبد حيث يكمن دورهم في إقامة الشعائر الدينية والصلوات والمشاركة في المواكب والاحتفالات الخاصة بعبادة الإله آمون من خلال الإنشاد والترتيل.
استكمل قائلاً: أن ظهر هذا اللقب بشكل متكرر في الاكتشافات الأثرية خاصة في التوابيت والمقابر التي تعود إلى عصر الانتقال الثالث (الأسرات 21–25) ويُعد العثور على توابيت تحمل لقب "منشد آمون" دليلاً على المكانة الاجتماعية والدينية المرموقة التي كان يتمتع بها أصحابها في تلك الحقبة.
أضاف إلى أنه غالبًا ما يتم العثور على ألقابهم مكتوبة بوضوح على التوابيت الخشبية الملونة التي تكتشفها البعثات الأثرية، واللقب يعكس نظامًا دينيًا رفيعًا كان يربط بين الموسيقى والإنشاد وبين تقديس الإله آمون في المعابد المصرية.
وقد كشفت بعثة جامعة بازل السويسرية عام 2012 عن مقبرة لسيدة تدعى "ني حمس باستت"؛ ابنة كاهن آمون بالكرنك وكانت تشغل وظيفة "منشدة الإله آمون رع" بالكرنك وترجع لعصر الأسرة الثانية والعشرين (945-712 ق.م). أثناء أعمال التنظيف الأثري المؤدي إلى مقبرة الملك تحتمس الثالث بوادي الملوك بالأقصر وعثرت على بئر تؤدي إلى حجرة الدفن داخلها تابوت خشبي ملون باللون الأسود عليه نصوص بالكتابة الهيروغليفية ومن خلال النصوص تم التعرف على صاحبة التابوت واللوحة.
ولفت الدكتور ريحان إلى أهمية التحنيط في مصر القديمة من خلال دراسة أثرية للدكتور رضا الشافعي بعنوان "دور القلب في الفكر المصري القديم" وقد توصل المصري القديم إلى أن القلب له دورًا كبيرًا في مجال الطب والتشريح والعلاج وهو السبب في كثير من الأمراض وبسبب الاعتقاد في قدرة القلب على التحكم في أفعال الإنسان كان القلب يترك في الجسد بعد الوفاة وإذا تم انتزاعه من الجسد عن طريق الخطأ يعاد إلى الجسد بمنتهى السرعة.
وقد تمكن الباحثون من التعرف على أسرار التحنيط عن طريق كتابات الرحّالة الذين زاروا مصر والدراسات العلمية للمومياوات وتحليلها علاوة على ما عثر عليه في المقابر من أدوات وعقاقير وأوانى لحفظ الأحشاء والتي عرفت بالأوانى الكانوبية واستخدم المصريون الأواني الكانوبية لحفظ الأحشاء التي تُستخرج من جسد المتوفى لتُحفظ داخل أربعة أوانٍ مخصصة اعتقادًا بأنها ضرورية لبعث المتوفى في العالم الآخر وقد مرت هذه الأواني بمراحل تطور مختلفة عبر العصور.
واختتم الدكتور ريحان بالأهمية الثقافية والسياحية لهذا الكشف العظيم حيث أن مدينة طيبة وجبانتها "الأقصر حاليًا" مسجلة تراث عالمى باليونسكو عام 1979 لثلاثة معايير الأول والثالث والسادس حيث تمثل طيبة نموذجًا للروائع فى تكوينها الفريد كمدينة للحكم بمبانيها على البر الشرقى والغربى، وتقف شاهدًا فريدًا على معتقدات خاصة بالحياة والموت فى عهد المصريين القدماء وفى فترة وجود طيبة كعاصمة واستثنائيًا على حضارة المصريين القدماء ككل، كما اقترن اسمها بعديد من الأحداث والمعتقدات المرتبطة بتاريخ المصريين القدماء.
ودلت الاكتشافات الأثرية على أن مدينة طيبة ترجع إلى تاريخ أقدم مما كان يظن البعض، فلقد عثر بمنطقة الكرنك على بقايا معبد من الأسرة الثانية ووجود بناء قديم يرجع إلى عصر ما قبل الأسرات لهذا تعد طيبة من أقدم المدن فى مصر وتعد هى النقلة البنائية فى استخدام الأهرامات كمقابر ملكية إلى استخدام المقابر المخفية بوادى الملوك والملكات بالإضافة إلى المصطبة التى اكتشفت بمدينة الطارف بالأقصر فجمعت مزيجًا من طراز الدولة القديمة والدولة الوسطى التى تنتمى معظم آثار الأقصر إليها، وتعتبر طيبة عاصمة مصر فى الدولة الحديثة من 1570 إلى 1070 قبل الميلاد.
ويعد هذه الكشف إضافة هامة لآثار الأقصر الخالدة التي تضم معبد الكرنك الذى استمر بناؤها حوالي 2000 عام على مساحة إجمالية 46 فدان لعبادة الإله “آمون رع” وزوجته “موت” وابنهما الإله “خونسو ويحتوي على 134 عمود ثم مدخل المعبد وهو طريق الكباش الشهير، ومعبد الأقصر بالقرب من معبد الكرنك ومعبد الدير البحري أو معبد حتشبسوت ووادى الملوك وتمثالي ممنون ومعبد الرمسيوم الجنائزي في منطقة البر الغربي ومدينة هابو ودير المدينة