نظّم الأزهر الشريف، مساء اليوم، الملتقى اليومي الذي يعقد بعد صلاة التراويح بالجامع الأزهر، ضمن برامجه الرمضانية المتكاملة التي تشمل الصلوات، والدروس، والمحاضرات، والمقارئ القرآنية، إلى جانب برامج الإفطار والسحور اليومية للطلاب الوافدين.
محمود الصاوي: الاعتصام بحبل الله أساس الحفاظ على الهوية الإسلامية
في بداية الملتقي الذي أداره الشيخ علي حبيب الله حسن، الباحث بإدارة الشئون الدينية بالجامع الأزهر، قال الدكتور محمود الصاوي، الوكيل الأسبق لكلية الإعلام بالأزهر الشريف، إن العلاقة بين الاعتصام بحبل الله وبين الهوية الإسلامية تشبه العلاقة بين الروح والجسد، فكما لا يقوم الجسد بلا روح، لا يمكن للهوية الإسلامية أن تستمر أو تتجذر إلا بالتمسك الكامل بمنهج الله ورسوله ﷺ، موضحا أن الحفاظ على الهوية يبدأ من الحفاظ على الرؤية الإسلامية أو ما يُعرف في الدراسات الفكرية بالنموذج المعرفي أو البارادايم، أي العدسة الفكرية التي نرى بها الأحداث ونعالج بها الوقائع، ونفسر بها ما يمر بنا في حياتنا اليومية.
وأضاف أن الهوية الإسلامية تمثل البصمة الحضارية للمسلم، وتشمل جميع جوانب حياته؛ فهي تظهر في عباداته ومعاملاته، وفي أخلاقه وتصرفاته، وفي علاقاته مع الناس ومع نفسه ومع ربه سبحانه وتعالى، مؤكدا أن قوة هذه الهوية أو ضعفها تتحدد بحسب تمسك الفرد بالمنهج الإيماني، وأنها تشكل العامل الحاسم في ثبات الإيمان واستقامة السلوك، فهي التي تحافظ على وحدة المجتمع وتوجه الفرد نحو قيم الخير والعدل والتكافل الاجتماعي، وتجعل من الإنسان نموذجًا قادرًا على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة دون انحراف أو ضياع.
نادي عبد الله: صبغة الله تشكّل جوهر الهوية الإسلامية
من جانبه أضاف الدكتور نادي عبد الله– وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة، أن القرآن الكريم عبّر عن الهوية الإسلامية بأبلغ عبارة حين قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، مشيرًا إلى أن الدين يصبغ حياة الإنسان كلها بعقيدة التوحيد وقيم الإيمان ويحدد اتجاهاته الأخلاقية والسلوكية، وأن هذه الهوية لم تأتِ في فراغ، بل جاءت كمنهج متكامل لتنقذ الإنسان من ضلال الجاهلية، وتعيده إلى فطرته السليمة، وتضبط سلوكه على أساس من القيم والمبادئ الراسخة.
وأشار إلى حال الناس قبل بعثة النبي ﷺ، حيث كانوا منغمسين في عادات وممارسات تتناقض مع الفطرة السليمة، مثل عبادة الأصنام والفساد والظلم وانتشار الفواحش، لافتا أن الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وصف هذا الواقع في خطاب للنجاشي ملك الحبشة قائلاً: "كنا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف".
وأوضح الدكتور نادي عبد الله أن بعثة النبي ﷺ جاءت لإعادة بناء الإنسان على أساس العقيدة والأخلاق والقيم، وتشكيل هويته الإسلامية التي تحفظ له دينه وفطرته، وتعيد توازنه الروحي والسلوكي، وتجعله قادرًا على التفاعل الإيجابي مع محيطه دون الانغماس في مظاهر الجاهلية، مؤكدًا أن قوة هذه الهوية أو ضعفها تؤثر مباشرة على إيمان الفرد وصلته بخالقه، وعلى قدرة المجتمع على المحافظة على وحدته وقيمه الأصيلة.
ويأتي الملتقى في إطار جهود الأزهر المستمرة لتعزيز الهوية الإسلامية وغرس القيم الروحية والأخلاقية في نفوس الشباب، وإعادة التواصل بين الفرد ومبادئ دينه وفطرته السليمة، مع التأكيد على أهمية الرؤية الإسلامية كأساس للتعامل مع التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة.

