في ظل الجهود الأمنية المكثفة التي تبذلها الدولة المصرية لتعقب العناصر الإرهابية الهاربة وتفكيك شبكاتها، جاءت العملية الأخيرة التي نجحت خلالها الأجهزة المعنية في استعادة علي عبدالونيس وهو أحد العناصر الإرهابية المطلوبة أمنيًا من خارج البلاد، بعد تتبعه داخل إحدى الدول الإفريقية، لتؤكد استمرار فاعلية الضربات الاستباقية في مواجهة التهديدات.
واعتمدت هذه العملية على رصد استخباراتي دقيق وتحليل متكامل لتحركات العنصر وشبكة ارتباطاته، بما شمل جهات دعم وتمويل وأذرع تنفيذية، قبل نقله إلى مصر تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية حياله.
وتبرز هذه الخطوة حجم التطور الذي شهدته المنظومة الأمنية، خاصة في مجالات التنسيق الدولي وتتبع الاتصالات الحديثة، وتحويلها إلى أدلة داعمة لمسار العدالة.
ثروت الخرباوي: استعادة علي عبد الونيس من الخارج رسالة حاسمة.. والوعي المجتمعي خط الدفاع الأول ضد مخططات الإرهاب
وأكد الدكتور ثروت الخرباوي في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد أن النجاح الذي تحقق في العملية الأخيرة واستعادة أحد العناصر الهاربة يمثل نقلة استراتيجية نوعية في أداء أجهزة الدولة المصرية، مشيرًا إلى أن هذا التطور يحمل دلالات متعددة على مستوى العمل الأمني والاستخباراتي.
الخرباوي: لا ملاذ آمن للهاربين بعد الآن
وأوضح الخرباوي أن تجاوز العملية للحدود الجغرافية يعكس قدرات استخباراتية متقدمة، حيث نجحت الأجهزة في تتبع هدف نوعي داخل عمق إحدى الدول الإفريقية وإعادته للمحاكمة، وهو ما يوجه رسالة حاسمة بأن فكرة “الملاذ الآمن” لم تعد قائمة بالنسبة للعناصر الهاربة.
وأضاف أن العملية كشفت عن قدرة الأجهزة الأمنية على تفكيك ما يعرف بالشبكات الهجينة، التي تجمع بين أذرع إعلامية بالخارج، ومصادر تمويل، وأذرع تنفيذ مسلح، مثل حركة حسم، مؤكدًا أن هذا “الضرب المتوازي” يحد بشكل كبير من قدرة تلك التنظيمات على إعادة التموضع أو المناورة.
تطور غير مسبوق في تتبع الاتصالات المشفرة وتحويلها لأدلة
وأشار إلى أن تحويل البيانات الرقمية ووسائل التواصل المشفرة إلى أدلة مادية واعترافات موثقة يعكس تطورًا ملحوظًا في منظومة مكافحة الإرهاب، خاصة في الجانب السيبراني، وهو ما يعزز من فاعلية المواجهة القانونية والأمنية في آن واحد.
وأكد الخرباوي أن مصر لاتزال مستهدفة ولكن بأساليب مختلفة، موضحًا أن التنظيمات الإرهابية أعادت تشكيل استراتيجياتها بعد فشل المواجهة المسلحة المباشرة وسقوط العديد من الخلايا.
من المواجهة المسلحة إلى “حرب الاستنزاف النفسي"
وقال إن هذه التنظيمات اتجهت حاليًا إلى ما يعرف بحرب الاستنزاف النفسي، من خلال استغلال التحديات الاقتصادية العالمية لإثارة حالة من السخط الداخلي، والعمل على زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وأضاف أن كل نجاح تحققه الدولة، سواء على مستوى التنمية أو الصفقات الاقتصادية الكبرى، يقابله تصعيد في محاولات الانتقام التنظيمي، عبر نشر الشائعات أو تنفيذ عمليات محدودة ذات طابع استعراضي لإثبات الوجود.
تعاون بين التنظيمات الإرهابية لضرب استقرار المنطقة
ولفت إلى أن ظهور مؤشرات على تعاون بين بعض التنظيمات، مثل “المرابطون”، يعكس أن مصر تستهدف باعتبارها حجر زاوية في استقرار المنطقة، وهو ما يدفع قوى الإرهاب، رغم اختلاف مسمياتها، إلى محاولة تقويض هذا الدور.
وشدد الخرباوي على أن الأمن لا يتحقق بالقوة فقط، بل بالوعي أيضًا، معتبرًا أن الوعي المجتمعي يمثل “خط الدفاع الأول” في مواجهة مخططات تلك التنظيمات.
وأوضح أن المواطن الواعي هو القادر على التمييز وعدم الانسياق وراء الشائعات التي تروجها بعض المنصات أو الشخصيات المرتبطة بهذه الجماعات، مؤكدًا أن نشر الوعي يحول دون استغلال الأفراد كأدوات مجانية في حروب المعلومات.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أهمية تحصين الشباب فكريًا، مشيرًا إلى أن إدراكهم لمصير القيادات الهاربة، ومعرفة كيف يتم استغلال بعض العناصر في تمويل أو دعم هذه التنظيمات، يسهم في بناء “مناعة فكرية” قوية تحميهم من الوقوع في دوائر الاستقطاب.