شهدت الساحة التشريعية في مصر ، تطورا مهما مع موافقة الحكومة على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، في خطوة تستهدف توحيد القواعد المنظمة لشؤون الأسرة المسيحية، وإنهاء حالة التشتت التشريعي التي استمرت لعقود، بما يحقق الاستقرار الأسري ويحفظ حقوق جميع الأطراف.
قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين
ويُعد هذا القانون الأول من نوعه الذي يجمع القواعد الإجرائية والموضوعية للأحوال الشخصية للمسيحيين في تشريع واحد، بعد أن كانت موزعة بين عدة لوائح مختلفة، الأمر الذي كان يسبب صعوبات في التطبيق داخل المحاكم.
ويتضمن مشروع القانون تنظيم عدد كبير من الملفات المهمة، أبرزها:
الخطبة والزواج بعقود موثقة داخل الكنيسة، والطلاق وبطلان الزواج والانفصال، والحضانة والرؤية والاستزارة، والميراث والنفقات، والنسب والولاية التعليمية.
كما نص المشروع على أن الخطبة أصبحت عقدا رسميا مُعلنا داخل الكنيسة، مع تحديد شروط واضحة للزواج، بما في ذلك إمكانية إضافة بنود تعاقدية بين الزوجين.
ومن أهم الملامح التي تضمنها القانون منع تغيير الملة للتحايل على القانون أثناء النزاعات الأسرية، وتنظيم الزواج الثاني بحيث لا يتم إلا بحكم قضائي وموافقة كنسية، وتوسيع مفهوم أسباب الطلاق مع الحفاظ على عقيدة كل كنيسة، وإقرار المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة وفقًا للشريعة المسيحية، واستحداث نظام الرؤية الإلكترونية للأب المسافر.
ويأتي هذا المشروع بعد سنوات طويلة من المناقشات بين الكنائس المصرية المختلفة والدولة، بهدف الوصول إلى صيغة موحدة تراعي العقائد الدينية لكل طائفة، وفي الوقت نفسه توفر إطارا قانونيا واضحا يُسهل على المواطنين والقضاة التعامل مع قضايا الأحوال الشخصية.
كما يهدف القانون إلى تحقيق التوازن بين دور الدولة في تنظيم العلاقات الأسرية، واحترام خصوصية الكنائس في المسائل العقائدية، خاصة فيما يتعلق بالزواج والطلاق.
أول قانون منظم لشؤون المسيحيين
وفي هذا الإطار ، أوضح الأنبا بولا، مطران طنطا وتوابعها، أن قانون الأحوال الشخصية الخاص بالأسرة المسيحية يُعد أول قانون منظم لشؤون المسيحيين في مصر بعد إقراره عبر جهتي التشريع الكنسي، وهما المجمع المقدس والجهة الوطنية، مؤكدًا أنه تم إعداده بإجماع كامل داخل المجمع المقدس.
وأضاف الأنبا بولا خلال مداخلة تلفزيونية، أن القانون يتميز بكونه متوافقا مع تعاليم السيد المسيح ونصوص الكتاب المقدس دون أي مخالفة لها، مشددًا على أنه يعكس تاريخ الكنيسة القبطية وتراثها، ولم يتم اعتماد أي مادة إلا بعد دراسة وموافقة جميع أعضاء المجمع المقدس.
وأشار إلى أن القانون يُلزم جميع الأقباط داخل مصر وخارجها، كونه صادرا عن المجمع المقدس، كما يراعي اختلاف الطوائف المسيحية، من خلال مواد مشتركة وأخرى خاصة بكل طائفة وفق خصوصيتها، موضحا أن الزواج في القانون يُفهم باعتباره علاقة مقدسة بين رجل وامرأة يتم توثيقها بطقس الإكليل الكنسي وبموافقة الطرفين وتحت إشراف كنسي.
وفيما يتعلق بمشروع القانون بشكل عام، فإنه جاء بعد موافقة مجلس الوزراء في إطار توجيهات القيادة السياسية بالإسراع في إصدار قوانين الأسرة، حيث يهدف إلى تنظيم شؤون الأحوال الشخصية للمسيحيين بشكل قانوني واضح، مع الحفاظ على الثوابت الدينية للكنيسة.
ويمثل مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار المجتمعي، من خلال وضع قواعد واضحة وعادلة تنظم العلاقات الأسرية، وتحمي حقوق المرأة والطفل، وتحد من النزاعات القضائية، في انتظار مناقشته وإقراره بشكل نهائي داخل البرلمان.



