في مشهد ثقافي متجدد يعكس توجه الدولة نحو بناء الإنسان، واصلت الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة تنفيذ سلسلة من الفعاليات المتنوعة في عدد من المحافظات، ضمن برامج وزارة الثقافة الهادفة إلى تعزيز قيم المواطنة، وترسيخ الهوية الوطنية، ودعم الإبداع لدى النشء والشباب، وذلك من خلال مزيج متكامل من المحاضرات التوعوية، والورش الفنية، والعروض التراثية.
في محافظة المنيا، وتحديدا داخل مركز شباب تندة، شهدت الفعاليات إقبالا جماهيريا ملحوظا، حيث انطلقت بمحاضرة تناولت قضية الزيادة السكانية وتأثيرها على خطط التنمية، قدمها سيد عبد العال، رئيس نادي الأدب بملوي، مؤكدا أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة تلك الظاهرة، خاصة عبر التثقيف المرتبط بتنظيم الأسرة والصحة الإنجابية.
كما تناولت اللقاءات مفهوم المواطنة من منظور عملي، حيث أوضح عاطف عبد العظيم المنشاوي أن المواطنة ليست مجرد شعارات، بل سلوك يومي يتجسد في الحفاظ على مقدرات الوطن والعمل على تقدمه، مشددا على أن الانتماء الحقيقي يظهر في الممارسات الحياتية البسيطة قبل المواقف الكبرى.
ولم تقتصر الأنشطة على الجانب التوعوي، بل امتدت إلى دعم المهارات الفنية، حيث نظمت ورش للأشغال اليدوية وتصميم اللوحات الفنية، أتاحت للفتيات والشباب التعبير عن أفكارهم حول الانتماء والهوية بأساليب إبداعية، إلى جانب معرض لإصدارات الهيئة شهد إقبالا كبيرا من الجمهور، في مؤشر واضح على تنامي الاهتمام بالقراءة والمعرفة.
وفي سياق متصل، أطلقت ثقافة الجيزة قافلة ثقافية إلى الواحات البحرية، في خطوة تستهدف الوصول بالخدمات الثقافية إلى المناطق النائية. وشهدت القافلة في يومها الأول محاضرة حول الهوية الوطنية للتراث الواحاتي، أكد خلالها كرم ربيع أن هذا التراث يمثل جزءا أصيلا من الشخصية المصرية، بما يحمله من عادات وتقاليد متوارثة عبر الأجيال.
كما تضمنت الفعاليات أمسية شعرية بعنوان "في حب مصر"، استحضرت ذكرى تحرير سيناء بوصفها رمزا للفداء والتضحية، حيث أكد المشاركون أن الأرض التي رويت بدماء الشهداء تظل حاضرة في وجدان المصريين كقيمة تتجاوز الجغرافيا إلى المعنى والهوية.
واختتمت فعاليات القافلة بعرض فني لفرقة الباويطي التلقائية، قدمت خلاله مجموعة من الأغاني التراثية التي تعكس خصوصية البيئة الواحاتية، وسط تفاعل كبير من الحضور، في تأكيد على قوة الفن الشعبي في الحفاظ على الذاكرة الجمعية.
وفي محافظة الغربية، احتضن مسرح 23 يوليو بمدينة المحلة الكبرى احتفالية مميزة بمناسبة اليوم العالمي للتوحد، سلطت الضوء على أهمية دمج ذوي الهمم في المجتمع. وأكدت الدكتورة بسمة مبروك، استشاري الصحة النفسية، أن التمكين الحقيقي لهؤلاء الأفراد يبدأ من الإيمان بقدراتهم، وتهيئة البيئة الداعمة لمشاركتهم في مختلف المجالات.
وشهدت الاحتفالية ورشا فنية متنوعة، إلى جانب عروض قدمها طلاب مدرسة التربية الفكرية وفرقة "ضي القلوب"، عكست مواهبهم وقدرتهم على التعبير الفني، واختتمت بتكريم عدد من القائمين على رعايتهم، في لفتة إنسانية تؤكد تقدير المجتمع لدورهم.
كما تزامنت الفعاليات مع محاضرات تثقيفية أخرى تناولت جهود الدولة في تنمية سيناء، من خلال المشروعات القومية وشبكات الطرق والمدن الجديدة، في إطار تعزيز الوعي بالتنمية الشاملة.
أما في محافظة البحر الأحمر، فقد تنوعت الأنشطة بين الاحتفاء بذكرى تحرير سيناء، وتنمية مهارات الأطفال والشباب. حيث نظمت محاضرات تناولت بطولات القوات المسلحة في استعادة الأرض، مؤكدة أهمية غرس روح الانتماء الوطني لدى الأجيال الجديدة.
كما شملت الفعاليات ورش حكي وفنون، ومسابقات ثقافية، إلى جانب تدريبات على البرمجة والحساب الذهني والعزف الموسيقي، في محاولة لدمج التثقيف بالمهارات العملية. ولم تغب قضايا الإبداع عن المشهد، حيث جرى التأكيد على أهمية التفكير خارج الصندوق باعتباره مدخلا رئيسيا للابتكار والتطور.
وفي سياق دعم القيم المجتمعية، تناولت بعض اللقاءات أهمية الحوار وقبول الآخر، إلى جانب التشجيع على القراءة باعتبارها أداة أساسية لبناء الوعي، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
تكشف هذه الأنشطة مجتمعة عن رؤية متكاملة تتبناها الهيئة العامة لقصور الثقافة، تقوم على الانتشار الجغرافي، والتنوع في المحتوى، والربط بين التوعية والإبداع، بما يسهم في بناء وعي ثقافي مستدام، ويعزز من حضور القوة الناعمة المصرية في مختلف ربوع الوطن.