قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

هل كان يودع محبيه؟.. قراءة في قصيدة «لم يضيع فرصة في حياته» بعد رحيل الشاعر سيد العديسي

الشاعر سيد العديسي
الشاعر سيد العديسي

في لحظة يغلب عليها الحزن والتأمل، أعادت وفاة الشاعر سيد العديسي إحياء واحدة من أكثر نصوصه إثارة للتساؤل، وهي قصيدة «لم يضيع فرصة في حياته»، التي نشرها قبل رحيله بأيام وبدت لكثيرين وكأنها مرثية كتبها لنفسه قبل الرحيل.

القصيدة، التي تتناول مشهد جنازة بطلها، لا تكتفي بوصف الموت كنهاية، بل تحوله إلى لحظة استعادة كاملة للحياة، حيث يمر النعش أمام محطات الذاكرة والعلاقات القديمة، في استدعاء مكثف لما عاشه الإنسان من فرص وتجارب.

وفيما يلي نص القصيدة:

لم يضيع فرصة في حياته
أن يكون بيتكم في آخر النجع
فتلك ميزة
الآن فقط ستدرك قيمتها
لأنه الآن فقط
يمكن لنعشك المرور أمام بيوت كل البنات اللاتي عرفتهن
واللاتي سهرت من أجلهن ليالي طويلة تفصل الخطط والخطابات.
...
يمكنك التلكؤ عند كل بيت
كان لك بداخله ذكرى
لا تنشغل إذا ما شعر من يحملونك بالثقل
ولا تغضب إذا ما أنزلوك في الطريق
ربما تتواطأ معك الصدف
فتكون أمام بيتها بالضبط
...
ولما يرفعونك
كرامتك في دفنك -
سيبدأ جسمك في الثقل مرة أخرى
ولأنك لم تكن لتفوت أي فرصة في حياتك
سينزلونك ما يزيد عن العشرين مرة
وما أن يصلوا للمقابر
سيلقون بك ويعودون
-وطبعا -
لن ينسوا سب من أخرجهم من بيوتهم في مثل هذه الساعة
بالرغم من أن الرحمة تجوز لك.

النص يقدم بطله كإنسان «لم يضيع فرصة في حياته»، حتى في لحظة موته، إذ يتخيل أن تتحول جنازته إلى جولة أخيرة بين ذكرياته، وبين السخرية السوداء والحنين، تتشكل مفارقة لافتة: الموت هنا ليس نهاية صامتة، بل لحظة صاخبة بالاسترجاع والندم وربما السخرية من الذات.

إعادة تداول النص عقب رحيله فتحت باب التأويل على مصراعيه: هل كان سيد العديسي يكتب نفسه؟ أم كان يرصد نموذجًا إنسانيًا عامًا يرى في الموت فرصة أخيرة لمراجعة ما فات؟، وفي كل الأحوال، تبقى القصيدة شاهدًا على صوت شعري خاص، استطاع أن يحول لحظة الرحيل إلى سؤال مفتوح: ماذا يتبقى من الإنسان.. بعد أن تمر جنازته من أمام كل ما عاشه؟

وكان قد توفي الشاعر والكاتب الصحفي سيد العديسي، أول أمس، بعد مسيرة جمع فيها بين الصحافة والكتابة الشعرية، وترك خلالها حضورًا خاصًا لدى قراء قصيدة العامية والنثر، خاصة عبر نصه الأشهر «كيف حالك جدًا»،  وتم تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير بمقابر عائلته في مسقط رأسه بالأقصر.