جريمة بشعة وقعت داخل منزل بأحد قرى محافظة أسيوط، تحول الخلاف على الميراث من نزاع عائلي تقليدي إلى مشهد دامٍ انتهى بمقتل شاب على يد أقرب الناس إليه.
قرار اتخذه المجني عليه "محمد" بمنح عمه نصف شركة الأعلاف، التي كانت ضمن تركة والده، أشعل فتيل الأزمة داخل الأسرة، حيث رفض شقيقاه وزوجته هذا التوجه بشكل قاطع، معتبرين إياه إهدارًا لحقوقهم.
اتفاق على إنهاء حياة المجني عليه
من هنا تصاعدت حدة التوتر تدريجيًا، وتحول الناقش إلى احتقان، انتهى بجريمة قتل وبين جدران المنزل، ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد خلاف عابر، بل بدأ التفكير الجاد في إنهاء حياة " محمد " المجني عليه.
اجتمع المتهمون الثلاثة، الزوجة، وشقيقي الزوج، وبدأوا في وضع خطة محكمة لتنفيذ الجريمة دون إثارة الشبهات، كانت الفكرة قائمة على قتل المجني عليه بطريقة لا تثير الشك، ثم إظهار الأمر وكأنه حادث عرضي.
وضع المنوم في الطعام
وفي سبيل تنفيذ مخططهم، قام الشقيق الثالث " الذي توفي لاحقًا أثناء سير التحقيقات بإحضار أقراص منومة، وسلمها إلى الزوجة، التي كان دورها محوريًا في تنفيذ المرحلة الأولى من الجريمة.
انتظرت اللحظة المناسبة، وفي إحدى الليالي، أعدت وجبة العشاء لزوجها، لكنها لم تكن وجبة عادية، بل كانت محملة بجرعة منوم كافية لإفقاده القدرة على المقاومة.
تناول المجني عليه طعامه كالمعتاد، دون أن يدرك أن تلك الليلة ستكون الأخيرة في حياته، ومع مرور الوقت، بدأت آثار المنوم تظهر عليه تدريجيًا، حتى دخل في نوم عميق فاقدًا لأي قدرة على الدفاع عن نفسه.
نجاح المرحلة الأولى من الجريمة
في تلك اللحظة، تواصلت الزوجة مع الشقيقان، لتعلمهم أن المرحلة الأولى من الخطة قد نجحت، حضر الشقيقان إلى المنزل، وصعدا بهدوء إلى غرفة نوم شقيقهما المجني عليه، حيث كان يرقد بلا حراك، لم تكن هناك أي مقاومة، ولا صرخات، فقط أنفاس تتلاشى تدريجيًا.
أحكم المتهمون قبضتهم على الضحية، واستخدموا قطعة قماش «ملفحة» لكتم أنفاسه، واستمروا في ذلك حتى تأكدوا من مفارقته الحياة، لحظة قاسية تحولت فيها روابط الدم والزواج إلى أداة قتل، دون أي رحمة أو تردد.
مسرح حادث مزيف
لكن الجريمة لم تنته عند هذا الحد، بل بدأت مرحلة أخرى لا تقل قسوة، وهي إخفاء معالم الجريمة، حمل المتهمون الجثمان، وقاموا بتجريده من ملابسه، ثم نقلوه إلى الطابق العلوي من المنزل، حيث أدخلوه إلى دورة المياه، ووضعوه داخل حوض الاستحمام «البانيو».
ولإحكام السيناريو، ادعوا أن الوفاة حدثت نتيجة صعق كهربائي بسبب عطل في سخان المياه، في محاولة لإقناع الجميع بأن ما حدث مجرد حادث عرضي.
وبالفعل، لم تُثر الواقعة في بدايتها أي شكوك، وتم التعامل معها على هذا الأساس، تم استخراج تصريح الدفن، ووارى الجثمان الثرى، وانتهت القصة ظاهريًا، بينما الحقيقة دُفنت معه.
تحول مفاجئ بعد 289 يوما
مرت الأيام، ثم الشهور، حتى وصل عددها إلى 289 يومًا، قبل أن يظهر تطور غير متوقع، ورد بلاغ جديد إلى مركز شرطة البداري يشير إلى وجود شبهة جنائية في الواقعة، ما دفع الجهات الأمنية إلى إعادة فتح الملف من جديد.
بدأت التحريات بقيادة الرائد مروان محمد جمال، رئيس وحدة مباحث مركز شرطة البداري، حيث تم فحص كافة التفاصيل من البداية، ومراجعة أقوال الشهود والظروف المحيطة بالواقعة، ومع التعمق في التحقيقات، بدأت الصورة الحقيقية تتكشف تدريجيًا.
التحريات: الوفاة لم تكن نتيجة صعق كهربائي
أكدت التحريات أن الوفاة لم تكن نتيجة صعق كهربائي كما ادّعى المتهمون، بل كانت جريمة قتل عمد تم التخطيط لها مسبقًا، كما توصلت التحريات إلى تورط كل من شقيق المجني عليه وزوجته، بالاشتراك مع شقيق آخر توفي خلال التحقيقات.
وبمواجهة المتهمين بالأدلة والتحريات، انهارت رواية الحادث العرضي، وظهرت الحقيقة كاملة أمام جهات التحقيق، باشرت النيابة العامة التحقيقات بشكل موسع، وأصدرت قرارًا بإحالة المتهمين إلى محكمة جنايات أسيوط.
وجاء في أمر الإحالة أن المتهمين بيتوا النية وعقدوا العزم على قتل المجني عليه، وأعدوا لذلك الوسيلة المناسبة، حيث استخدموا مادة منومة لشل مقاومته، ثم قاموا بخنقه حتى الموت، في جريمة اتسمت بسبق الإصرار والترصد.
كما أكدت التحقيقات أن المتهمين حاولوا تضليل العدالة بإخفاء معالم الجريمة، وتصويرها على أنها حادث صعق كهربائي، إلا أن التحريات الدقيقة كشفت مخططهم بالكامل.
إحالة أوراق المتهمين إلى فضيلة المفتي
وأمام محكمة جنايات أسيوط، برئاسة المستشار سامح سعد طه، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين أحمد سيد حسين وأحمد محمد غلاب، نائبي رئيس المحكمة، وبأمانة سر خميس محمود ومحمد العربي.
نظرت القضية بكامل تفاصيلها، واستمعت المحكمة إلى مرافعات النيابة والدفاع، واطلعت على الأدلة والتقارير والتحريات، حتى انتهت إلى قرارها بإحالة أوراق المتهمين إلى فضيلة المفتي، وبعد التصديق عاقبتهم المحكمة بالإعدام شنقًا.



