قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: قراءة في ماهية السلبية

د. عصام محمد عبد القادر
د. عصام محمد عبد القادر

حينما يقتادنا الوجدان إلى غياهب الانطواء، ويهمس في آذان النفس بهدوء مضلل، فإنه يدفعها نحو سكون الانزواء؛ تجد القلوب تميل إلى التقوقع ميْلًا، وتحن النفوس إلى الانكفاء حنيْنًا، وتختار -طوْعًا، أو وهم طواعية- الخروج من دائرة التفاعل، ودفء المشاركة؛ وهنالك نكون قد آثرنا الابتعاد عن المشهد إيثارًا، ورضينا لأنفسنا تجنب الانخراط في حل معضلة، أو مواجهة قضية؛ وكأن الفؤاد قد استحب الظل على النور، وآثر الصمت السلبي على اتخاذ الموقف المطلوب.
تنساب في تلك اللحظات الهادئة ظاهرًا، والثقيلة باطنًا، مشاعر النفور من تقديم المبادرات الفاعلة؛ فيغدو العزم خافتًا، وتضعف الهمم، وتخبو الإرادة في معترك الحياة الذي لا تزهر دروسه إلا بالمشاركة، ولا تنمو معانيه إلا بالمبادرة؛ وحين يستقر هذا النفور في النفس، ويترسخ هذا التراجع في السلوك؛ فإنه يصبح صورة جلية من صور السلبية، وإنما يعبر عنها في أقسى دلالاتها، وأشد إشاراتها حضورًا وتأثيرًا.
يعكس هذا الحال استشعار الإنسان للإحباط في أعماقه؛ إذ يتردد صداه في النفس مرة تلو الأخرى؛ حتى بات لا يرى الفرص ولا يلمح الإيجابيات التي تحفه إحاطةً، كان ينبغي أن تبعث في القلب طمأنينةً وأمَلًا؛ غير أن ثقل الإحباط إذا استقر في الأعماق ألقى على البصيرة ظلاله، فتغيم الرؤية وتبهت المعاني حتى صار استشراف المستقبل لديه ضائعًا في حيز التجاهل التام، وبين غفلة عن الإمكان وإعراض لما تحمله الأيام من فسحة وأبواب واعدة.
يصعب على من غامت رؤيته أن يصنع ويتخذ القرار كي ينهض به في دروب الحياة، فكيف له أن يمتلك أدوات حية تساعده في الخروج من الأزمات وتجاوز وعورة التحديات وهو لا يزال أسير هذا الضباب الوجداني، إن المشهد يعد انكسارًا للبصيرة حين تفقد سراجها المضيء؛ وهو في الوقت ذاته يعبر عن نمذجة لغياب الفرص في حيز الوعي قبل الواقع وفي الإدراك قبل الطريق.
يؤدي الاسترسال في هذا الدرب بالروح إلى فقدان التوازن العاطفي فقدانًا يطفئ نور الاطمئنان في القلب، ويفضي إلى ترنح التوازن ترنحًا يزداد تواليًا ويستعر معه ظلال التشاؤم؛ فتتسرب إلى النفس رياح الشك والهلع، وهذا يخلخل أركان طمأنينتها خلخلةً صامتة لكنها مزلزلة، ويجعل القلب يحن إلى القنوط قنوطًا يثقل الهمم ويستسلم بمرارة مرّةً لتوقع الأسوأ؛ فتذبل الروح ذبولًا يخفف من بريقها ويثقل على القلب ندى العزم حتى تكاد مواهبها أن تبوح بخفوتها في صمت الليل.
تعد خشية الفشل وتجنب تكرار المحاولة خوفًا من أن يزهر الإحباط من جديد، ومن الشعور بالعجز تجاه تحقيق مهمة بعينها شعورًا يرهق الروح والجهد، وتكوين صورة ذهنية تعكس اللامبالاة تجاه قضية ما، والتفكر في طبيعة المشكلة دون التفكير في إيجاد حلول لها؛ كل هذا كفيل بصناعة السلبية التي تتراكم فيها الضغوط على النفس وتثقل كاهل الفرد، فتجعله يهرب من المواجهة وتحرمه من الجرأة على المغامرة بسبب تفاقم حالة التشاؤم لديه، وتشابك الشعور باليأس مع كل محاولة تبوء بالخيبة أو الإخفاق أو الخسران.
حرمان الإنسان من التعزيز المتمثل في التشجيع والتقدير وتنمية الثقة بالنفس والمشاركة الإيجابية، سواء من أسرته التي ينبغي أن تكون منارة الأمل، أو من المؤسسة التي ينتمي إليها، أو من المحيط الاجتماعي برمته الذي يحمل أدوارًا فاعلة في صقل الشخصية وبلورة الإرادة وإشعال شعلة المبادرة؛ سبب أساسيٌّ في خفوت دافعيته وانكفائه على ذاته.
يتضافر شحُّ المساندة وغياب التحفيز مع تلك الهواجس المربكة من عواقب الإخفاق، لتمهيد بيئة خصبة تترعرع فيها بذور السلبية المقيتة، وهي حالة ذهنية ووجدانية تتسلل إلى حنايا النفس في هدوء مريب واستكانة مخادعة؛ فتعمل على استنزاف مكامن القوة وتوهن صلب العزائم، وتوصد بإحكام أمام المرء كل مسالك المبادرة ومنافذ العطاء؛ حتى توشك الروح في غمرة انكسارها أن تلوذ بكهوف العزلة الصامتة في وجوم غائرًا، وتنكفئ بمرارة عن أداء دورها الحيوي ومهمتها السامية في رحاب مدرسة الحياة الفسيحة.
من هنا ومن أعماق هذا المشهد الوجداني كان لزامًا أن يرتفع نداء الروح نداءً رقيقًا صادقًا يتردد صداه في مرافئ الوجدان التي تستقبل التذكير كما تستقبل السفن نور المنارة؛ نداء يوقظ العزائم ويستنهضها ويعيد إلى النفس شجاعتها في التفاعل وكرامتها في المبادرة، حتى تعود الروح إلى مسارها الأصيل؛ حيث الحضور الفاعل في المشهد مشاركةً في الحل ومواجهةً للقضية بقلب صافٍ.