سلط تفشي فيروس هانتا على متن سفينة سياحية في القطب الجنوبي الضوء مرة أخرى على مدى سهولة انتشار العدوى في البيئة المغلقة للسفن في البحر.
عندما ظهرت تقارير عن حالات مشتبه بها لفيروس هانتا على متن سفينة الرحلات الاستكشافية القطبية الجنوبية "إم في هونديوس"، عادت إلى الأذهان مخاوف قديمة راودت العالم منذ بدايات جائحة كوفيد-19: ماذا يحدث عندما يتسلل مرض معدٍ إلى سفينة سياحية؟ أي تفشٍّ على متن سفينة سياحية يستحضر على الفور ذكريات جائحة كوفيد-19، ولا سيما سفينة "دايموند برينسيس" التي رُسيت بالقرب من اليابان في أوائل عام 2020، والتي خضعت للحجر الصحي. كانت السفينة تقل 3700 شخص، وأُفيد بأن 721 شخصًا على متنها ثبتت إصابتهم بفيروس كوفيد، لتصبح السفينة بؤرة رئيسية مبكرة للجائحة.
بينما يُذكّرنا الأطباء بأنّ المقارنات مع حالة الذعر الحالية من فيروس هانتا مُضلّلة، يقول الدكتور راجيف جايا ديفان، استشاري أمراض الجهاز الهضمي الأول والرئيس السابق للجمعية الطبية الهندية في كوتشين، والذي كان أيضًا الرئيس المشارك لفريق عمل الجمعية الطبية الهندية الوطني المعني بفيروس كوفيد-19، إنّ انتشار الفيروس في السفن يكمن في تصميم هذه السفن نفسها. ويوضح قائلاً: "السفينة السياحية هي في الأساس نظام مغلق، حيث يتشارك عدد كبير من الأشخاص مساحة صغيرة نسبيًا، ويتواصلون باستمرار مع بعضهم البعض".
على عكس المدن والبلدات، حيث يستطيع المصاب عزل نفسه في المنزل وتقليل الاختلاط بشكل طبيعي، فإن السفن السياحية لا تترك مجالاً يُذكر للهروب. يتناول الركاب الطعام معاً، ويستخدمون أماكن الترفيه المشتركة، ويلمسون نفس الدرابزين وأزرار المصاعد، وغالباً ما يقضون أياماً أو أسابيع في بيئات مشتركة. وهذا ما يجعل احتواء الفيروس أمراً بالغ الصعوبة.
يقول الدكتور إيشوار جيلادا، خبير الأمراض المعدية: "إذا عطس شخص ما في مكان عام وبقيت إفرازات الجهاز التنفسي على سطح ما، يصبح انتقال العدوى سهلاً للغاية. تختلف ديناميكيات انتشار العدوى على متن السفن السياحية اختلافًا كبيرًا عما نلاحظه على اليابسة".
وترجع الأسباب إلى عوامل هيكلية وسلوكية على حد سواء. "تعتمد السفن السياحية على أنظمة تهوية مشتركة. الكبائن صغيرة الحجم. أما الأماكن العامة على متن السفينة، كالمطاعم والمسارح والصالات الرياضية والسطح والصالات، فهي أماكن مشتركة بطبيعتها. حتى السفن السياحية الفاخرة المزودة بمرافق طبية متطورة لا تستطيع القضاء تمامًا على المخاطر الناجمة عن التلامس الوثيق لفترات طويلة". مع ذلك، يحذر الخبراء من التعامل مع جميع السفن بنفس الطريقة. ويشير الدكتور راجيف إلى أن "قارب صيد صغير لا يُقارن بسفينة سياحية ضخمة مكونة من 18 طابقًا تحمل آلاف الركاب. لكن المشكلة الأساسية تبقى قائمة في جميع السفن: إنها مساحة مغلقة". وبمجرد بدء تفشي المرض، تُقيّد الحركة بشكل فوري تقريبًا.
غالبًا ما يُعزل الركاب في كبائنهم خلال فترات المراقبة بينما تُقيّم السلطات الصحية الوضع. وبذلك، تتحول السفينة فعليًا إلى منطقة حجر صحي عائمة.
لماذا تُعد السفن أكثر عرضة لتفشي الأمراض؟
لطالما عُرفت السفن السياحية بأنها بيئات تنتشر فيها الأمراض المعدية بسرعة. "تُعد تفشيات فيروس نوروفيروس، المعروف بتسببه في القيء والإسهال، من بين أكثرها شيوعًا. كما ظهرت الإنفلونزا والعدوى المنقولة بالغذاء وأمراض الجهاز التنفسي بشكل متكرر على متن السفن في جميع أنحاء العالم. يقول الطبيب: "العدوى على متن السفن ليست بالأمر النادر. قد تكون هذه العدوى بكتيرية أو فيروسية أو متعلقة بالغذاء أو الماء، أو قد تنتقل عن طريق شخص مصاب يصعد إلى السفينة".
وتتفاقم المشكلة بسبب ثقافة الرحلات البحرية الحديثة نفسها. تعمل سفن الرحلات البحرية العملاقة اليوم كمدن عائمة مكتظة بالسكان، حيث يتفاعل آلاف الركاب وأفراد الطاقم في أماكن مغلقة لفترات طويلة. هذا المزيج يخلق ظروفًا مثالية لانتشار مسببات الأمراض المعدية.
مع ذلك، أكد جميع الأطباء الذين تحدثنا إليهم أنه لا داعي للخوف من وضعٍ شبيهٍ بالجائحة في الوقت الراهن. ويشرح أحدهم الأسباب قائلاً: "كان كوفيد-19 فيروسًا جديدًا. في البداية، لم يكن العلماء يعرفون عنه إلا القليل. لم تكن هناك لقاحات، ولا علاجات مُوجَّهة، ولا يقين بشأن مدى انتشاره أو مدى خفائه. والأهم من ذلك، أنه أظهر انتقالًا فعالًا من إنسان إلى آخر على نطاق عالمي. أما فيروس هانتا، فيتصرف بشكل مختلف تمامًا. فبينما قد تكون بعض سلالات فيروس هانتا خطيرة، إلا أن انتقاله إلى البشر يحدث عادةً عن طريق الاتصال بالقوارض المصابة أو فضلاتها، وليس من خلال انتقال بشري عشوائي واسع النطاق. ويؤكد الخبراء أن الوضع الحالي لا يُشبه الظروف التي أدت إلى جائحة عالمية في عام 2020."
ويضيف: "عندما يسمع الأشخاص عن وفيات، ينتشر الخوف بسرعة. ومن الطبيعي أن تبدأ التكهنات على وسائل التواصل الاجتماعي فورًا. لكن ليس كل تفشٍّ بدايةً لجائحة أخرى."

