كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن الصورة الحقيقية للمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران أكثر تعقيدًا بكثير مما تعكسه العناوين المتداولة عن “اتفاق وشيك”، مؤكدة أن المنطقة ما زالت تقف على حافة سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين التهدئة والانفجار العسكري الكبير.
وبحسب الصحيفة، فإن واشنطن تبدي رغبة قوية، تكاد تصل إلى حد اليأس، من أجل التوصل إلى اتفاق سريع مع طهران، في وقت بدأت فيه أطراف داخل القيادة الإيرانية تدرك أن استمرار المواجهة قد يقود إلى “كارثة استراتيجية” بالنسبة للنظام الإيراني. ومع ذلك، تؤكد التقديرات الإسرائيلية أنه لا توجد حتى الآن وثيقة نهائية قابلة للتوقيع، فيما تواصل إسرائيل الضغط باتجاه عمل عسكري واسع ضد إيران.
مشروع اتفاق غامض.. وملف نووي بلا حسم
ووفق مصادر متعددة، يتضمن مشروع الاتفاق المطروح عدة بنود أساسية، أبرزها:
إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار.
رفع الحصار الاقتصادي وحصار مضيق هرمز.
الإفراج عن نحو 25 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة.
الدخول في مفاوضات تمتد بين 30 و60 يومًا لحسم الملف النووي الإيراني.
لكن المشكلة الأساسية، وفق الصحيفة، أن المشروع لا يحدد بوضوح آلية معالجة الملف النووي، ولا يتضمن التزامات إيرانية واضحة بشأن المواد الانشطارية أو القدرات النووية المستقبلية.
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى تغريدة لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال فيها إنه اتفق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن “أي اتفاق نهائي مع إيران يجب أن يزيل الخطر النووي”، مع التركيز على عبارة “اتفاق نهائي”، وليس الاتفاق المرحلي الجاري التفاوض حوله حاليًا.
مخاوف إسرائيلية من تكرار “نموذج غزة”
وربطت الصحيفة هذا التطور بتجربة سابقة تحدث عنها نتنياهو في أكتوبر الماضي، عندما أعلن اتفاقه مع ترامب على أن أي اتفاق نهائي مع حركة حماس يجب أن ينتهي بنزع سلاح الحركة وتجريد قطاع غزة من السلاح، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، بحسب الصحيفة.
وترى الأوساط الإسرائيلية، أن هذا النموذج يثير مخاوف جدية من أن يتحول الاتفاق مع إيران إلى مجرد صيغة مؤقتة أو غامضة، تسمح لطهران بالاحتفاظ بمواد انشطارية وبنية تحتية نووية وصاروخية دون تفكيك حقيقي.
كما شككت الصحيفة في تصريحات الوزير الإسرائيلي ميكي زوهار الذي أكد أن “إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا”، معتبرة أن التعريف الإسرائيلي الحالي قد يقبل ببقاء مواد قابلة للاستخدام العسكري طالما لم تتحول رسميًا إلى “سلاح مكتمل”.
مجتبى خامنئي.. الرجل الغامض الذي يحدد مصير الاتفاق
وأبرزت الصحيفة اسم مجتبى خامنئي بوصفه أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في المرحلة الحالية، مؤكدة أن الموافقة النهائية على الاتفاق لم تصدر بعد من الدائرة العليا للنظام الإيراني.
وبحسب المعلومات التي تمتلكها إسرائيل، فإن الإيرانيين أبلغوا الوسطاء أن الصيغة الحالية تتوافق مع “التوجيه العام” الممنوح لفريق التفاوض، لكن هذا لا يعني وجود موافقة نهائية من القيادة العليا.
وترى التقديرات الإسرائيلية أن المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة النظام الإيراني نفسه، حيث تمر القرارات الحساسة عبر حلقات ضيقة من المبعوثين والرسائل الأمنية، ما يجعل الفارق كبيرًا بين “إحراز تقدم” و”الوصول إلى اتفاق فعلي”.
ونقلت الصحيفة عن أحد المصادر قوله بسخرية:“لقد أخذنا نظامًا وحولناه إلى لا نظام”. في إشارة إلى غياب مركز قرار واضح يمكن الضغط عليه أو انتزاع تعهدات نهائية منه.
هجوم أمريكي مؤجل.. وترامب يتراجع في اللحظة الأخيرة
وكشفت الصحيفة أن الولايات المتحدة كانت تستعد خلال الأسبوع الماضي لتنفيذ هجوم واسع النطاق ضد إيران، بالتنسيق مع إسرائيل، وكان من المقرر تنفيذه يومي الأربعاء أو الخميس.
وبحسب المصادر، تضمنت قائمة الأهداف: كبار المسؤولين الإيرانيين، منظومة الصواريخ الباليستية، الأنفاق العسكرية، البنية التحتية للطاقة والكهرباء، مواقع استراتيجية مرتبطة بالنظام الإيراني.
لكن ترامب قرر تأجيل العملية أكثر من مرة، بحجة منح فرصة إضافية للمفاوضات استجابةً لطلبات من زعماء عرب، قبل أن تتحول الأجواء فجأة إلى حديث عن “اتفاق قريب”.
وترى مصادر إسرائيلية أن ترامب حاول تقديم نفسه كزعيم منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، رغم أن المؤسسة الإسرائيلية كانت تتوقع الهجوم بالفعل.
أزمة ثقة داخل إسرائيل
وتؤكد الصحيفة أن إسرائيل تجد نفسها اليوم في موقع غير مسبوق من العزلة السياسية، رغم أنها الطرف الذي جعل من الملف الإيراني محورًا رئيسيًا لعقيدته الأمنية والسياسية طوال السنوات الماضية.
فبحسب التقرير، لا تشارك إسرائيل بصورة مباشرة في صياغة البنود النهائية للمفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، بل تعتمد بشكل أساسي على المعلومات الاستخباراتية والتقديرات الإقليمية لفهم ما يجري خلف الكواليس.
وترى الأوساط الإسرائيلية أن أي اتفاق يسمح لإيران بالاحتفاظ بمواد مخصبة أو أجهزة طرد مركزي أو قدرات صاروخية دون رقابة صارمة سيشكل ضربة قاسية للرواية التي قدمها نتنياهو لسنوات، والقائمة على “تفكيك” التهديد الإيراني لا مجرد “إدارته”.
هل ينهار الاتفاق؟
ورغم المؤشرات المتزايدة حول اقتراب التفاهم، تشدد الصحيفة على أن كل شيء ما زال قابلًا للانهيار في أي لحظة، سواء بسبب:
رفض مجتبى خامنئي للصيغة الحالية.
تراجع ترامب تحت ضغط المتشددين.
تمسك إيران بشروط إضافية.
ضغوط إسرائيلية وخليجية لدفع واشنطن نحو الخيار العسكري.
وترى الصحيفة أن أخطر ما في المشهد الحالي هو وجود:
رئيس أمريكي يريد تجنب الحرب دون أن يبدو ضعيفًا.
نظام إيراني يختبر حدود صبر واشنطن.
رئيس وزراء إسرائيلي يدفع نحو التصعيد لكنه لا يملك القرار النهائي.
وفي ختام تقريرها، تؤكد الصحيفة أن الحقيقة الوحيدة حتى الآن هي:
“لا يوجد اتفاق بعد.. هناك فقط عملية تفاوض وضغط وقلق وترقب”.
وتضيف أن المنطقة ما تزال معلقة بين احتمال توقيع اتفاق تاريخي، أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية قد تغير شكل الشرق الأوسط بالكامل، مشددة على أن “الأمر لم ينتهِ بعد.. لا باتفاق ولا بحرب”.





