قال الدكتور علي جمعة مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف إن زيارة مقام النبي ﷺ قُربةٌ من أفضل القُرُبات إلى الله سبحانه وتعالى، ومن أسباب استحقاق شفاعة الحبيب الأعظم ﷺ، وهي بعض الوفاء لحقه علينا ﷺ.
سنن وآداب ينبغي فعلها عند زيارة المسجد النبوي
وكشف عن آداب وسنن ينبغي فعلها عند زيارة المسجد النبوي الشريف، وهى:
1. يُستحب للزائر أن ينوي التقرب إلى الله بالصلاة في مسجد النبي ﷺ؛ لفضل ثواب الصلاة في مسجده ﷺ.
2. يُستحب أن يُكثر في طريقه إلى طَيبة، المدينة المنورة، من الصلاة على الحبيب ﷺ، ولا سيما إذا بدت له معالم المدينة وأشجارها وأبنيتها، وأن يسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته، ويتقبَّلها منه.
3. يُستحب الاغتسال قبل الدخول إلى مسجده ﷺ للسلام عليه، وأن ينظف نفسه، ويلبس أحسن ثيابه، ويتطيَّب.
4. على المرء أن يستشعر في قلبه أنه في أشرف بقاع الأرض بعد مكة.
5. يُستحب أن يقول عند دخول المسجد النبوي الشريف، كما عند دخول المسجد الحرام:
«أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ».
6. ويصلي في الروضة سُنَّة تحية المسجد، ويشكر الله تعالى على هذه النعمة، ويسأله القبول، ثم يأتي المقام الشريف حيث جسد سيدنا وحبيبنا سيدنا محمد ﷺ، فيقف مستقبلًا المقام، والقبلةُ خلفه، ناظرًا إلى أسفل المواجهة الشريفة، غاضَّ الطرف، ممتلئَ القلب إجلالًا وتعظيمًا وتوقيرًا لمنزلة مَن هو في حضرته ﷺ، ثم يسلِّم بصوت معتدل قائلًا:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خِيرَةَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَذِيرُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَشِيرُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا طَاهِرُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ الرَّحْمَةِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ الْأُمَّةِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا قَائِدَ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ بَيْتِكَ، وَأَزْوَاجِكَ، وَذُرِّيَّتِكَ، وَأَصْحَابِكَ أَجْمَعِينَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَجَمِيعِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
جَزَاكَ اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ كُلَّمَا ذَكَرَكَ ذَاكِرٌ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ غَافِلٌ، أَفْضَلَ وَأَطْيَبَ وَأَكْمَلَ مَا صَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، وَنَصَحْتَ الْأُمَّةَ، وَجَاهَدْتَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ.
اللَّهُمَّ آتِهِ الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ، وَآتِهِ نِهَايَةَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلُونَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وهذه الصيغة مستحبة، وله الاقتصار على بعضها مما يحفظه، وحبَّذا لو حفظ ما يقدر على حفظه دون أن يقرأ من الورق، كما يفعل بعض الناس.
ويبلِّغ سلامَ مَن أوصاه بالسلام على رسول الله ﷺ، فيقول: «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ».
وبعد السلام يتأخر إلى اليمين قدر نصف متر، فيسلِّم على سيدنا أبي بكر الصدِّيق، ويثني عليه بما هو أهله، رضي الله عنه.
ثم يتأخر إلى اليمين قدر ذراع، فيسلِّم على سيدنا عمر بن الخطاب، ويثني عليه بما هو أهله، رضي الله عنه.
فإذا انتهى تأخَّر، فوقف مستقبلًا القبلة، حيث أمكنه من الروضة، والأفضل — إن تيسَّر — بين القبر والسارية، فيحمد الله تعالى ويمجده، ويدعو لنفسه، ولوالديه، ولإخوانه، ولسائر المسلمين.
7. وليحرص على الصلاة في الروضة؛ فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».
وينبغي أن يحرص على أن يصلي الصلوات كلَّها في مسجد رسول الله ﷺ، وأن ينوي الاعتكاف فيه.
8. ويُسَنُّ الخروج إلى البقيع كل يوم، ولا سيما يوم الجمعة، وذلك بعد أن يسلِّم على النبي ﷺ، ويقول عندما يصل إلى البقيع: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ».
9. ويُستحب زيارة قبور شهداء أُحُد، ويبدأ بسيدنا حمزة، عم سيدنا رسول الله ﷺ، سيد الشهداء.
10. ويُستحب استحبابًا مؤكَّدًا أن يأتي مسجد قُباء، والأولى أن يأتيَه يوم السبت؛ لما صحَّ أن رسول الله ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ».
11. وينبغي أن يكون وهو في مدينة النبي ﷺ مستحضرًا شرف هذه المدينة، وأن يتحلَّى فيها بالأدب والخُلُق المطلوبَين في ذلك المقام، ويُسَنُّ أن يُكثر من التصدُّق على فقرائها، وينبغي عدم رفع الصوت، وترك المشاحنات في حضرة النبي ﷺ؛ فلقد أدَّب الله تعالى المسلمين في كتابه العزيز بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 2-3].
فقد نهت الآيتان الكريمتان عن رفع الصوت عند رسول الله ﷺ، وأوعدت مَن يرفع صوته عند رسول الله ﷺ بأن يُحبط الله عمله، ويُذهبه، ولا يُثيبه.
وقد رُوي أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، كان يقول: «لا ينبغي رفعُ صوتٍ على نبيٍّ حيًّا ولا ميتًا».
وكانت السيدة عائشة، رضي الله عنها، إذا سمعت صوت وتد أو مسمار يُدَقُّ في البيوت المجاورة، ترسل إلى أهلها: «لا تؤذوا رسول الله ﷺ».
وكان سيدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، إذا أراد أن يصنع مِصراعَي بابِ بيته خرج إلى المناصع — أي: الرومية — حتى لا يؤذي رسول الله ﷺ بما يحدث من صوت أو ضجيج.
إذًا يجب على الزائر والجالس في الروضة الشريفة التأدب بآداب القرآن، والتخلُّق بما ندب إليه؛ حتى يسلم من إحباط العمل، فإن سوء الأدب، ورفع الصوت، والمجادلة، والمشاحنات، والمناقشات في هذا المكان، منافية لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فاحذر أيها الزائر، واحذر أيها الجالس من مخالفة كتاب الله؛ فإن ذلك يعرضك لسخط الله، أعاذنا الله وجميع المسلمين من ذلك.
ويقول العلماء: إن هذا الأدب معه ﷺ، كما كان واجبًا في حياته، فهو واجب بجوار قبره الشريف في مسجده ﷺ، وهكذا ينبغي التأدب في مجالس الحديث الشريف، وقراءته، وسماعه.



