يترك موسم الحج في نفوس المؤمنين آثارًا روحية عميقة، تتطلب الاستقامة والمداومة على الطاعة والتحلي بالخلق النبوي، ومع إطلالة العام الهجري الجديد تتجدد النوايا لترتيب الأولويات وإدارة الأوقات بفاعلية، إلى جانب تعزيز قيم الانتماء وحب الوطن كجزء أصيل من الفطرة السليمة والمقاصد الشرعية النبيلة.
ماذا بعد فريضة الحج؟
وقال الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، إن أهل العلم وأهل الله يقولون: إن الإنسان الحاج عندما ينهي الحج وتتم المناسك ويتحلل منها، يبدأ في التطلع لثلاثة أمور، وهي:
أولًا: أنه بعد تمام المناسك يزور المدينة المنورة، ويزور المرقد والمشهد النبوي العظيم، قبر المصطفى وروضته العظيمة -الروضة المشرفة-، يقوم بهذه الزيارة للجناب النبوي المعظم بكل ما تمثله في نفس الإنسان من ارتباط عظيم وحب، ومشاعر تبجيل وتعظيم وإيمان وتصديق لسيدنا ومولانا محمد، إذن بعد تمام مناسك الحج تأتي قضية الزيارة، ثم يأتي التشوق للرجوع إلى الوطن وما تحركه قضية الوطن في نفس الإنسان من الاشتياق إلى الأوطان، والنزوع إليها والميل الجارف إلى الوطن، وتقدير قيمة الوطن في نظر الشريعة وفي نظر الفطرة السليمة، ثم بعد ذلك الاستقامة والمداومة على الطاعة بعد انقضاء أعمال الحج، إذن المهمة الأولى هي زيارة الجناب النبوي المعظم والنزول إلى المدينة المنورة والتنعم بروضتها الشريفة التي هي جزء من جنات النعيم، والوقوف في موقف السلام والتحية والتوقير لسيدنا محمد.
وثانيًا: العودة إلى الوطن، وقضية الوطن، وتوقير وتبجيل وتعظيم قضية الوطن في وجدان الإنسان.
وثالثًا: المداومة على الطاعة، والاستقامة مع رب العالمين، وكيف أن الحاج الذي يرجع من البيت الحرام ينبغي أن يرى الناس فيه تغيرًا شاملًا في حياته، وتغيرًا كاملًا في سلوكيات هذا الإنسان، في طريقته، وفي أسلوبه، وفي كلامه، وفي روحه، وفي نفسيته، وفي طريقة التعامل مع الأسرة والبيت والجيران والناس والزملاء في العمل، حيث ينبغي أن يكون بالفعل إنسانًا رجع من الحج كيوم ولدته أمه.
وذكر أسامة الأزهري، أن الحاج إذا انتهى من مناسكه، وتوجه إلى المدينة المنورة؛ امتلأ قلبه إيمانًا وحبًّا وتبجيلًا وتوقيرًا وتعظيمًا لمقام سيدنا ومولانا محمد، ويتعلم من هذا معنى مهم، وهو أن سيدنا محمد جاء من عند الله تعالى بالهدى والنور وبالدين الحق ليظهره الله تعالى على الدين كله، وجاء بالشرائع والأحكام، وجاء بالقيم والآداب، وجاء رحمة للعالمين وجاء ختامًا للنبوات والمرسلين، وجعله الله نورًا ممدودًا بين السماء والأرض، وأيده الله تعالى بالمعجزات الباهرة، وأنزل عليه القرآن العظيم.
وأنطق لسانه بالحكمة والسنة المشرفة المشرقة، والمبينة لما في القرآن العظيم، حيث جاء فعلم الدنيا معنى النور، ومعنى الجمال «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، ومعنى الأخلاق والحضارة، ومعنى العمران، ومعنى العناية بالحرف والمهن، ومعنى إكرام الإنسان، ومعنى جبر الخواطر، ومعنى بر الوالدين، ومعنى حسن الجوار، ومعنى حسن العشرة في الحياة الزوجية بين الناس، وأن يكف الإنسان عن العنف، وأن يكف الإنسان عن سوء وفحش القول، وأن يكون الإنسان إنسانًا رحيمًا، إنسانًا رفيع الخلق، إنسانًا ممتلئًا بالتهذيب ودماثة الخلق ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: ٤]، «أَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا».
الاستقامة بعد الحج
وعن الاستقامة بعد الحج، فإن الإنسان يرجع من الحج كيوم ولدته أمه، يعني: غفرت ذنوبه، ويعني: أنه يبدأ صفحة جديدة أو مرحلة جديدة من الحياة، فنحن نريد للإنسان إذا رجع من الحج أن يُشعر الناس بأنه قد حصل تغير كبير في قيمه وفي سلوكياته وفي اختيار ألفاظه، فيا كل إنسان حج بيت الله، أو كان متشوقًا إلى الحج ولم يكتب له: عامل الناس بـ الخلق النبوي، وإذا كنت تاجرًا أو كنت سائقًا أو كنت موظفًا أو كنت عاملًا أو كنت فلاحًا أو كنت تعمل في الحافلة أو أي مكان كريم تعمل فيه.
وتابع: إذا ذهبت إلى زيارة البيت الحرام حاجًا أو معتمرًا أو تعلقت به وعرفت قيمته، فلتجعل الناس ترى في سلوكياتك معنى الرقي، فإذا ذهبت لطاعة الله وعدت فعد محملًا بهدية للناس، تتمثل هذه الهدية في طيب القول، وفي حسن اللفظ، وفي الكلام الطيب الذي تسعد به القلوب، وفي التعامل الحسن، وفي صدق المعاملة، وفي لين البيع والشراء، وفي حسن معاملة الزوجة، وفي لطف معاملة الأبناء، وفي الإحسان إلى الجيران، ونرجو من الله تعالى أن يملأ سلوكياتنا بأكملها نورًا وهداية وبصيرة.
العودة من الحج
وأوضح وزير الأوقاف، أن العودة من رحلة الحج تمثل ميلادًا جديدًا يفرض على المسلم استدامة الطاعة، وتجسيد الأخلاق المحمدية في كافة معاملاته اليومية، وتمتد هذه الروحانية لتشمل حب الأوطان وعمارتها والاعتراف بفضلها، ومع بداية العام الهجري تتأكد أهمية محاسبة النفس وتجديد العزم، واستثمار كل لحظة في أعمال صالحة وإنجازات حقيقية تُنظم وفق أولويات واضحة، ليبقى أثر الإنسان طيبًا، وذكرُه ممتدًا بالخير في الدنيا والآخرة.

