تبرز الحرف اليدوية كواحدة من أهم مكونات الهوية الثقافية والذوق العام في المجتمعات، حيث تعكس خبرات متوارثة ومهارات دقيقة تراكمت عبر أجيال طويلة، ومن بين هذه الحرف، مهنة تصليح الساعات بوصفها إحدى المهن التي ارتبطت بالدقة والصبر وفهم تفاصيل الوقت وآلياته، ما جعلها تحمل طابعًا خاصًا يميزها عن غيرها من الحرف التقليدية.

مهنة تواجه الإندثار
ترتبط مهنة “الساعاتي” منذ نشأتها بمفهوم الدقة والالتزام، إذ لعب أصحابها دورًا مهمًا في الحفاظ على الساعات الميكانيكية وإعادة الحياة إلى القطع النادرة والقيمة التي يمتلكها الأفراد.
وعلى مدار عقود، شكّل الساعاتي عنصرًا أساسيًا في حياة الناس، ليس فقط كمصلح للساعات، بل كحارس لذاكرة زمنية مرتبطة بقطع تحمل قيمة مادية ومعنوية.
لكن هذه المهنة تواجه اليوم تحديات كبيرة نتيجة التطور التكنولوجي المتسارع، خاصة مع التحول من الساعات الميكانيكية إلى الرقمية، ثم ظهور الساعات الذكية التي غيّرت مفهوم الوقت نفسه.
وهذا التحول فرض واقعًا جديدًا على العاملين في هذا المجال، حيث أصبح الحفاظ على المهنة يتطلب جهدًا أكبر في ظل تراجع الطلب وتغير احتياجات المستهلكين.
مهنة الساعاتي
في المقابل، تتراجع أعداد الشباب الراغبين في تعلم مهنة الساعاتي، مع اتجاههم نحو مجالات أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا الحديثة وسوق العمل الرقمي. هذا التراجع يهدد استمرارية المهنة على المدى الطويل، في ظل اعتمادها المتزايد على خبرات الجيل القديم الذي يقترب تدريجيًا من ترك المجال دون بدائل كافية.
أما الساعات الذكية، فقد فرضت نفسها كبديل عصري يتجاوز الوظيفة التقليدية لقياس الوقت، لتصبح أجهزة متعددة المهام تتابع الصحة واللياقة البدنية، وتتكامل مع الهواتف والتطبيقات الرقمية. هذا التطور جعلها جزءًا من نمط الحياة الحديث، وليس مجرد أداة لعرض الوقت.
ورغم ذلك، لا تزال الساعات التقليدية تحتفظ بمكانتها لدى فئة من المستخدمين الذين يفضلون البساطة وطول العمر الافتراضي، حيث تمتاز بعدم اعتمادها على الشحن المستمر أو التحديثات التقنية.
إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجهها اليوم لا يتمثل فقط في التطور التقني، بل في مخاطر العصر الرقمي مثل الأعطال البرمجية واحتمالات الاختراق، وهو ما يفتح بابًا واسعًا أمام إعادة تعريف مفهوم الأمان والاعتمادية في أدوات قياس الوقت.
وبين هذا وذاك، تبقى مهنة الساعاتي عالقة بين ماضٍ قائم على الحرفة اليدوية الدقيقة، ومستقبل تقوده التكنولوجيا الذكية، في معادلة صعبة قد تحدد مصير واحدة من أقدم المهن المرتبطة بحياة الإنسان اليومية.
الاعتماد على الهواتف المحمولة
من جانبه، قال سعيد، صاحب محل ساعات قديمة، إنه يقضي يومه بين إصلاح الساعات وضبط تروسها الدقيقة، مستعيدًا ذكريات طويلة مع مهنة ارتبط بها منذ طفولته، معتبرًا أنها ليست مجرد عمل بل حرفة ورثها عبر الأجيال.
وأضاف سعيد لـ “صدى البلد”، أنه تعلّم الصنعة عن والده الذي كان يمتلك المحل نفسه، لافتًا إلى أنه بدأ العمل في هذا المجال وهو في سن العاشرة أو الحادية عشرة، واستمر فيه حتى أصبح جزءًا أساسيًا من حياته اليومية.
وأشار إلى أن المهنة كانت تعتمد في السابق على تنوع كبير في أنواع الساعات الرائجة، بينما تغير المشهد حاليًا مع انتشار الموديلات الحديثة والساعات الذكية، وهو ما أثر على طبيعة العمل داخل المحلات.
وأضاف أن الإقبال على تصليح الساعات تراجع بشكل واضح بسبب الاعتماد على الهواتف المحمولة، مؤكدًا أن العمل أصبح يقتصر في الغالب على الصيانة البسيطة مثل تغيير الأساور أو الأحجار، بعدما كانت المهنة في الماضي أكثر رواجًا وربحية.





