يستقبل الرئيس عبدالفتاح السيسي، اليوم الاثنين، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، في زيارة أخوية تعكس استمرار التنسيق الوثيق بين القاهرة وأبوظبي، في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم تحديات سياسية واقتصادية متسارعة. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل ما تمثله العلاقات المصرية الإماراتية من نموذج للشراكة العربية الاستراتيجية الممتدة على مختلف المستويات.
ومن المقرر أن يعقد الرئيسان جلسة مباحثات موسعة تتناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب التشاور بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، في ظل التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، سواء على صعيد الأزمات السياسية أو التحديات الاقتصادية العالمية.

قمة القاهرة.. ملفات إقليمية ودولية على الطاولة
تأتي المباحثات المصرية الإماراتية في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتصدر قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي أجندة البلدين، في ظل استمرار الأزمات التي تشهدها المنطقة العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتطورات الأوضاع في عدد من بؤر التوتر بالشرق الأوسط.
كما تتناول المباحثات سبل التعامل مع التداعيات الاقتصادية العالمية الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية، وتأثيراتها على التجارة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى مناقشة آليات دعم النمو الاقتصادي العالمي وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات الراهنة.
وتشمل أجندة القمة أيضًا ملفات التنمية المستدامة والتحول الرقمي والتوسع في استخدامات الذكاء الاصطناعي، وهي قضايا باتت تمثل أولوية مشتركة لدى العديد من الدول الساعية لتعزيز تنافسيتها الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
شراكة اقتصادية تتجاوز الأرقام
على مدار السنوات الماضية، تحولت الإمارات إلى أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، حيث شهدت العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين نموًا متسارعًا يعكس قوة الروابط الاقتصادية بين الجانبين.
ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والإمارات نحو 9.7 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 6 مليارات دولار خلال عام 2024، بنسبة نمو بلغت 61.7%، ما يؤكد تسارع وتيرة التعاون الاقتصادي بين البلدين.
ولم تعد العلاقات الاقتصادية تقتصر على التبادل التجاري فقط، بل توسعت لتشمل استثمارات ضخمة في قطاعات العقارات والطاقة المتجددة والبنية التحتية والصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، لتصبح الإمارات أحد أكبر المستثمرين الأجانب في السوق المصرية.
جذور التعاون الاقتصادي تعود لعقود
ورغم الزخم الكبير الذي تشهده العلاقات الاقتصادية حاليًا، فإن جذورها تمتد إلى عقود سابقة، حيث بدأت ملامح التعاون الاقتصادي بين البلدين في التبلور منذ ثمانينات القرن الماضي.
وخلال تلك الفترة، لعبت المؤسسات والصناديق الإماراتية دورًا مهمًا في تمويل عدد من مشروعات التنمية والبنية التحتية في مصر، بالتوازي مع تزايد مساهمة العمالة المصرية في مسيرة التنمية التي شهدتها الإمارات.
ومع بداية التسعينات واتجاه مصر نحو الإصلاح الاقتصادي وتحرير الأسواق، بدأت الشركات الإماراتية في توسيع استثماراتها داخل السوق المصرية، خاصة في قطاعات العقارات والسياحة والخدمات والتجارة، وهو ما أسهم في بناء قاعدة قوية من الثقة بين مجتمع الأعمال في البلدين.
العمالة المصرية.. أحد أعمدة العلاقات الاقتصادية
مثلت العمالة المصرية على مدار العقود الماضية أحد أبرز روافد العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث شاركت الكفاءات المصرية في مختلف القطاعات الحيوية داخل الإمارات، من التعليم والصحة إلى الهندسة والإدارة والخدمات المالية.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد المصريين المقيمين في الإمارات بلغ نحو 1.3 مليون مواطن بحلول عام 2024، لتصبح الإمارات من أكبر الدول المستقبلة للعمالة المصرية في المنطقة.
كما شكلت التحويلات المالية للمصريين العاملين بالإمارات مصدرًا مهمًا لدعم الاقتصاد المصري وتوفير النقد الأجنبي، ما أضفى بعدًا اقتصاديًا إضافيًا على العلاقات بين البلدين.
من التجارة إلى الشراكة الاستراتيجية
شهدت السنوات الأخيرة انتقال العلاقات الاقتصادية المصرية الإماراتية من مرحلة التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مع توسع الاستثمارات الإماراتية في مشروعات تنموية كبرى داخل مصر.
وبرز مشروع تطوير منطقة رأس الحكمة باعتباره أحد أكبر المشروعات الاستثمارية المشتركة، حيث فتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، وشجع على ضخ استثمارات إضافية في قطاعات الطاقة النظيفة والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية.
كما عززت هذه المشروعات من مكانة مصر كمركز إقليمي للاستثمار والإنتاج والتجارة، في وقت تسعى فيه الدولة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة ودعم خطط التنمية المستدامة.
مشاركة مرتقبة في قمة مجموعة السبع
تأتي زيارة الرئيس الإماراتي إلى القاهرة قبل مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أعمال قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى G7، المقرر عقدها بمدينة إيفيان الفرنسية خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026.
وتكتسب المشاركة المصرية أهمية خاصة في ظل دعوة مصر بصفتها دولة شريكة، حيث من المنتظر أن تشهد القمة مناقشات حول الاقتصاد العالمي والطاقة والأمن الغذائي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهي ملفات تتقاطع بشكل مباشر مع أولويات السياسة الاقتصادية والتنموية المصرية.
علاقات مرشحة لمزيد من التوسع
تعكس زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى القاهرة استمرار الزخم الذي تشهده العلاقات المصرية الإماراتية على مختلف المستويات، سواء السياسية أو الاقتصادية أو التنموية. كما تؤكد أن البلدين ينظران إلى شراكتهما باعتبارها أحد أهم ركائز الاستقرار والتنمية في المنطقة.
ومع استمرار التنسيق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تبدو العلاقات بين القاهرة وأبوظبي مرشحة لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل توافق الرؤى بشأن القضايا الإقليمية، وتنامي المصالح الاقتصادية المشتركة، واتساع مجالات التعاون في قطاعات المستقبل، وعلى رأسها التكنولوجيا والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي.
ومن جانبه، قال إسلام الأمين، المحلل الاقتصادي، إن العلاقات الاقتصادية بين مصر والإمارات شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة، انتقلت خلالها من مرحلة التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية التي تشمل قطاعات حيوية متعددة، أبرزها العقارات والطاقة والصناعة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.
وأضاف الأمين، في تصريحات لـ"صدى البلد"، أن الارتفاع الكبير في حجم التبادل التجاري بين البلدين يعكس قوة ومتانة العلاقات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الإمارات أصبحت واحدة من أهم الشركاء التجاريين والاستثماريين لمصر في المنطقة العربية، كما لعبت دورًا مهمًا في دعم العديد من المشروعات التنموية الكبرى.
وأوضح أن الاستثمارات الإماراتية لم تعد تتركز في قطاع واحد، بل امتدت إلى قطاعات متنوعة تدعم خطط التنمية المصرية، لافتًا إلى أن المشروعات المشتركة الكبرى، وعلى رأسها مشروع رأس الحكمة، تمثل نقطة تحول مهمة في مسار التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وأكد أن المباحثات المرتقبة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد آل نهيان من المتوقع أن تسهم في فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، بما يدعم جهود البلدين لتحقيق النمو المستدام وتعزيز القدرة التنافسية لاقتصاديهما على المستويين الإقليمي والدولي.




