في قلب جبال سانت كاترين الشامخة، حيث تتعانق السماء مع قمم الجرانيت العتيقة، وتتناثر بين الوديان حكايات الأنبياء والزهاد والعابرين، كُتبت قصة إنسانية استثنائية بطلها شاب هولندي جاء باحثًا عن السكينة، فعثر على معنى أعمق للحياة والإنسانية.
القصة الكاملة
كان "روبي"، الشاب القادم من ضواحي أمستردام، يحمل في قلبه حلمًا قديمًا بزيارة أرض الوادي المقدس طوى؛ تلك البقعة المباركة التي ارتبطت بسيرة نبي الله موسى عليه السلام، وشهدت تجلي نور الله على أرض سيناء.
ظل الحلم يكبر معه عامًا بعد عام، حتى جاء اليوم الذي شد فيه الرحال إلى مدينة سانت كاترين، المدينة التي تتنفس التاريخ والروحانية، وتختبئ بين جبالها أسرار آلاف السنين.
وصل روبي إلى أرض التجلي مفعمًا بالشغف والدهشة
كان ينظر إلى الجبال وكأنه يلتقي بصديق قديم طال غيابه، ويتأمل الصخور الصامتة التي تحفظ بين ثناياها ذاكرة الأنبياء والرحالة.
وفي إحدى الأمسيات، انطلق نحو جبل موسى، حيث اعتاد الزوار أن يستقبلوا شروق الشمس من فوق القمة، وحيث تلامس الروح آفاقًا من الصفاء لا توصف بالكلمات.
كان يتنقل بين الممرات الجبلية، يلتقط الصور ويستمتع بجمال الطبيعة الساحرة، غير مدرك أن القدر يخبئ له اختبارًا قاسيًا، فمع تشعب المسارات وضباب المسافات، ضل طريقه بين شعاب الجبال الوعرة، ووجد نفسه وحيدًا في عالم من الصخور والصمت.
مرت الساعات ثقيلة كأنها أعوام. نفد الماء، وغاب الطعام، وتسللت الوحشة إلى قلبه. حاول مرارًا العودة إلى الطريق، لكن الجبال كانت تبتلع خطواته وتعيده إلى التيه من جديد.
وبينما كان يبحث عن مخرج، زلت قدمه من أعلى منحدر صخري، ليسقط ويتدحرج عشرات الأمتار بين الصخور الحادة.
في تلك اللحظات الفاصلة، شعر أن الحياة تتسرب من بين يديه.
أصيب بكسور وجروح بالغة، وأصبح حبيسًا بين الصخور، لا يرى من العالم سوى نافذة ضيقة من السماء الزرقاء. حاول الزحف رغم الألم، لكن جسده المنهك لم يسعفه.
ومع اشتداد الحمى والإرهاق، لم يبق أمامه سوى الدعاء وانتظار رحمة الله.
وعندما أوشكت خيوط الأمل أن تنقطع، جاءت النجاة من قلب الصحراء.
فبين صمت الجبال ووحشة المكان، سمع أحد أبناء قبيلة الجبالية استغاثة خافتة تتردد بين الشعاب الجبلية.
لم يتردد الرجل لحظة؛ فقد اعتاد أبناء البادية أن يجعلوا من نجدة الإنسان شريعة حياة، ومن إغاثة الملهوف واجبًا لا ينتظر مقابلًا.
انطلقت على الفور عمليات البحث والإنقاذ، بمشاركة الأجهزة الأمنية وفرق الإسعاف وعدد من الأدلاء البدو الذين يعرفون أسرار الجبال ومسالكها كما يعرفون خطوط كفوفهم.
وبعد ساعات من الجهد الشاق، تمكنت الفرق من الوصول إلى السائح المصاب في موقع بالغ الوعورة.
وحمله رجال الإنقاذ على أكتافهم عبر الممرات الصخرية والمنحدرات الجبلية، في مشهد جسّد أسمى معاني الشهامة والتكافل الإنساني.
كانت الرحلة شاقة، لكن إرادة إنقاذ إنسان كانت أقوى من وعورة الطريق.
ونُقل روبي إلى سيارة الإسعاف بالقرب من دير سانت كاترين، ثم تلقى الرعاية الطبية اللازمة حتى تعافى من إصاباته، وبدأ رحلة جديدة من الحياة لم يكن يتوقع أن تُكتب له من جديد.
غير أن القصة لم تنتهِ عند لحظة النجاة، فمنذ ذلك اليوم ظل قلب الشاب الهولندي معلقًا بسانت كاترين وأهلها، عاد إليها بعد شفائه، ثم جعل من زيارتها موعدًا سنويًا لا يتخلف عنه، يحمل معه الامتنان والوفاء لكل من ساهم في إنقاذه.
ويقول روبي في كل مرة يزور فيها المدينة: "لم ينقذني أبناء البدو من الموت فقط، بل أعادوا إليّ إيماني بالإنسان. وجدت في هذه الأرض قلوبًا أكبر من الجبال التي تحيط بها".
وقد تحولت قصته إلى مادة تناولتها وسائل إعلام في بلاده، لتصبح سانت كاترين في نظر كثيرين رمزًا للإنسانية قبل أن تكون مقصدًا للسياحة الروحية.
وهكذا، بقيت الحكاية حية في ذاكرة صاحبها؛ حكاية بدأت بخطوة ضائعة بين الجبال، وكادت تنتهي بمأساة، لكنها تحولت إلى قصة وفاء لا تنطفئ، كتبتها شهامة أبناء سيناء بحروف من نور، وأثبتت أن الإنسان قد يضل الطريق أحيانًا، لكنه يجد في قلوب النبلاء طريق النجاة دائمًا.
ويقول سليمان الجبالي، الخبير البيئي والسياحي واحد الادلة البدوية بسانت كاترين، إن بدو سانت كاترين وخاصة الأدلة البدوية كانوا يسابقون الزمن بين الدروب الجبلية والمرتفعات الشاهقة بحثا عن ذلك السائح الهولندي، حتى وجدوه على حافة الموت وحملوه على أكتافهم حتى تلقى العلاج وسافر إلى بلاده ليعود مرة أخرى باسم الإنسانية والأمن والسلام النفسي الذي عاشه فى أرض التجلي يشكر بدو سانت كاترين ويعود من جديد يستمتع بأرض السلام أرض التجلي مدينة سانت كاترين مرة أخرى.






