تواصل الحرب في لبنان إلقاء بظلالها على مختلف الفئات، إلا أن كبار السن يظلون من أكثر المتضررين في ظل تراجع الخدمات الصحية والإنسانية، إذ يجد آلاف المسنين أنفسهم أمام خيارات صعبة بين البقاء في مناطق غير آمنة أو النزوح إلى مراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات التي تلبي احتياجاتهم الصحية والمعيشية.
ومع استمرار الأزمة، تتزايد المخاوف من تفاقم أوضاع هذه الفئة، خاصة في ظل انتشار الأمراض المزمنة وتراجع القدرة على الوصول إلى الرعاية الطبية.
وأكدت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) أن الحرب الأخيرة عمقت معاناة كبار السن، داعية إلى استجابة إنسانية أكثر شمولًا تضمن حماية حقوقهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية، في وقت تتعرض فيه البنية الصحية لضغوط غير مسبوقة.
_825_125047.jpg)
نزوح جماعي يفاقم معاناة كبار السن
بحسب أحدث تقرير صادر عن الإسكوا، أدت الحرب الأخيرة إلى نزوح نحو 20% من سكان لبنان، بينهم ما يقرب من 140 ألف شخص من كبار السن، يعيش عدد كبير منهم في ظروف إنسانية صعبة داخل مراكز إيواء غير مهيأة لاستقبالهم.
وأشار التقرير إلى أن المسنين يواجهون أزمة متفاقمة تهدد صحتهم وكرامتهم واستقلاليتهم، في ظل عدم كفاية الاستجابة الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الخاصة، رغم الجهود المبذولة من الجهات المعنية.
وأضاف التقرير أن محدودية الحركة لدى كثير من كبار السن، إلى جانب احتياجهم المستمر للرعاية الصحية والأدوية، جعلت عملية النزوح أكثر صعوبة، وأدت إلى زيادة المخاطر التي يتعرضون لها خلال الأزمة.
انهيار الخدمات الصحية يزيد الأزمة تعقيدًا
أوضحت الإسكوا أن تدهور القطاع الصحي فاقم من معاناة كبار السن، بعدما أغلقت 6 مستشفيات وتعرض 23 مركزًا صحيًا للاستهداف، إلى جانب سقوط مئات من العاملين في القطاع الصحي بين قتيل ومصاب.
وأدى هذا الوضع إلى تراجع كبير في الخدمات الطبية، خاصة بالنسبة للمسنين الذين يعانون من أمراض مزمنة تحتاج إلى متابعة مستمرة وعلاج منتظم، وهو ما جعل الحصول على الرعاية الصحية أكثر صعوبة في ظل استمرار العمليات العسكرية.
كما أشار التقرير إلى أن الكثير من كبار السن اضطروا للاختيار بين البقاء في مناطق تشهد أعمالًا عسكرية أو الانتقال إلى أماكن إيواء لا تتوافر فيها الخدمات الأساسية أو التجهيزات المناسبة لاحتياجاتهم الصحية والإنسانية.
أزمات اقتصادية ونفسية تضاعف معاناة المسنين
إلى جانب التحديات الصحية، أكد تقرير الإسكوا أن كبار السن يواجهون أوضاعًا اقتصادية متدهورة نتيجة فقدان مصادر الدخل أو الممتلكات بسبب الحرب، الأمر الذي زاد من اعتمادهم على أفراد الأسرة أو المساعدات الإنسانية، وعمّق شعورهم بالتهميش والعزلة.
وفي هذا السياق، قالت سارة سلمان، مسؤولة شؤون السكان في الإسكوا، إن استمرار الحرب وما يصاحبها من قلق وصدمات متكررة يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية والعقلية لكبار السن، مع تزايد معدلات الاكتئاب والشعور بالوحدة.
وأضافت أن كبار السن لا يفقدون فقط منازلهم أو مصادر رزقهم، بل يُحرمون أيضًا من الحصول على الخدمات الأساسية، فضلًا عن تراجع الاعتراف بدورهم داخل مجتمعاتهم في ظل الأزمات المتلاحقة.
دعوات لاستجابة إنسانية أكثر شمولًا
دعت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا إلى تبني استجابة إنسانية تراعي احتياجات كبار السن بصورة منهجية، مع ضمان توفير خدمات الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، وتحسين أوضاع مراكز الإيواء بما يتناسب مع احتياجاتهم.
وأكدت الإسكوا أن حماية كبار السن خلال الأزمات الإنسانية تمثل ضرورة ملحة، ليس فقط للحفاظ على حياتهم وصحتهم، وإنما أيضًا لضمان كرامتهم واستقلاليتهم، خاصة في ظل استمرار التحديات الإنسانية والاقتصادية التي يواجهها لبنان نتيجة الحرب.
ومن جانبه، قال المحلل السياسي اللبناني عبدالله نعمة، إن كبار السن يمثلون إحدى أكثر الفئات هشاشة في ظل الأزمات المتكررة التي يشهدها لبنان، موضحًا أن الحرب الأخيرة كشفت حجم الضغوط التي تواجهها منظومة الرعاية الاجتماعية والصحية، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمات اقتصادية ومالية متراكمة تحد من قدرتها على الاستجابة لاحتياجات الفئات الأكثر ضعفًا.
وأضاف نعمة في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن استمرار النزوح وتضرر البنية التحتية الصحية يضاعفان معاناة المسنين، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة، مؤكدًا أن تحسين أوضاعهم يتطلب تنسيقًا أكبر بين الدولة والمنظمات الدولية والجهات الإنسانية لضمان وصول المساعدات والخدمات الطبية إلى جميع المتضررين، مع إعطاء كبار السن أولوية في خطط الإغاثة وإعادة التأهيل.






