قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، إن السُّنَّة لم تُدوَّن في زمن الرسول تدوينًا عامًّا جامعًا منظَّمًا، على النحو الذي دُوِّن به القرآن الكريم؛ فلم يُعيِّن لها كتبةً مخصوصين ككتبة الوحي الذين كانوا يكتبون القرآن، غير أنه ثبت أمره وإذنه بالكتابة في وقائع وأحوال متعددة، لبعض الصحابة رضي الله عنهم.
وتابع علي جمعة، في منشور على فيس بوك: وقد يظن بعض الناس أن ذلك يتعارض مع قول النبي: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». رواه مسلم.
وجمع العلماء بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن بعدة أوجه؛ من أشهرها أن النهي كان في أول الأمر، حين كان القرآن يتنزَّل، خشية أن يختلط كلام النبي بالقرآن الكريم، أو أن ينشغل الصحابة بشيء عن حفظه وضبطه. فلما استقر أمر القرآن، وتميَّز عن غيره، أذن النبي في كتابة الحديث لمن أراد من المسلمين. وقيل: إن النهي كان عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، أما كتابته مستقلةً عنه فكانت مأذونًا فيها.
الإذن النبوي بكتابة الحديث
وتمثَّل الإذن النبوي بكتابة الحديث في مجموعة من الأدلة، نوجز بعضها فيما يأتي: لما فتح الله تعالى مكة للمسلمين، خطب النبي، فقام رجل من أهل اليمن يُقال له أبو شاه، وقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال النبي: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ».
وسُئل الإمام الأوزاعي عن معنى قوله: «اكتبوا لي»، فقال: أراد الخطبة التي سمعها من رسول الله. فدل ذلك دلالة صريحة على إذنه بكتابة حديثه. رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ، وَرَسُولُ اللهِ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ».
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار كان يسمع حديث النبي ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله، فقال له: «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ»، وأومأ بيده إلى الخط، غير أن الإمام الترمذي قال عن هذا الحديث: «إسناده ليس بذلك القائم»؛ ولذلك لا يُعتمد عليه منفردًا، وإن كان معناه تؤيده الأحاديث الصحيحة الثابتة في الإذن بالكتابة.
وذكر علي جمعة، أن هناك أدلة أخرى كثيرة على إذنه بكتابة الحديث. وقد تعددت آراء العلماء في بيان العلاقة بين أحاديث الإذن وحديث النهي المتقدم، ومن أقوى أوجه الجمع أن أحاديث الإذن جاءت متأخرة عن حديث النهي، فكان آخر الأمرين منه الإذن بالكتابة.
وتلقَّف الصحابة الكرام هذا الإذن النبوي، فشرع كثيرٌ منهم في كتابة الحديث الشريف.

