قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بعد مليار كيلومتر.. من هو الرفيق الخفي للأرض؟

الأرض
الأرض

في أعماق الفضاء، وعلى مسافة تزيد على مليار كيلومتر من الأرض، كانت مركبة صينية صغيرة تقترب بهدوء من هدف ظل لعقد كامل يحير علماء الفلك لم يكن قمرا جديدا، ولا كوكباً مجهولاً، بل جسماً سماوياً غامضاً يوصف بأنه "الرفيق الخفي" للأرض، لأنه يرافقها في رحلتها حول الشمس دون أن يكون تابعاً لها.

وبعد أكثر من عام من السفر، نجحت المركبة الصينية "تيان وين-2" في تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق، عندما التقطت أول صورة مباشرة وعالية الدقة للكويكب "كامو أوايوا"، فاتحة بذلك مرحلة جديدة لفهم واحد من أكثر الأجرام القريبة من الأرض إثارةً وغموضاً.

رحلة طويلة تنتهي بلقاء تاريخي

بدأت القصة في 29 مايو 2025، عندما أطلقت الصين مركبة "تيان وين-2" ضمن مهمة علمية طموحة تهدف إلى استكشاف الكويكب وجمع عينات من سطحه وإعادتها إلى الأرض.

وعلى مدار أكثر من عام، قطعت المركبة أكثر من مليار كيلومتر عبر الفضاء، قبل أن تبدأ في يونيو 2026 رصد هدفها بصرياً للمرة الأولى.

 وبعد سلسلة مناورات دقيقة، اقتربت تدريجياً حتى أصبحت على بعد نحو ألفي كيلومتر منه، ثم واصلت رحلتها لتصل في الثاني من يوليو إلى مسافة لا تتجاوز 20 كيلومتراً فقط.

ومن هذه النقطة التاريخية، التقطت المركبة أول صور قريبة للكويكب، لتمنح العلماء رؤية غير مسبوقة لتضاريسه وسطحه، بعدما كانت كل المعلومات السابقة تعتمد على صور التلسكوبات البعيدة.

ليس قمراً لكنه لا يغادر جوار الأرض

ورغم أن كثيرين يصفون "كامو أوايوا" بأنه "القمر الثاني للأرض"، فإن الحقيقة أكثر تعقيداً.

فهذا الجرم لا يدور حول الأرض كما يفعل القمر الطبيعي، وإنما يدور حول الشمس، لكنه يتحرك في ترتيب مداري نادر يجعله يرافق الأرض باستمرار، ولذلك يصنفه العلماء ضمن فئة "أشباه الأقمار" أو Quasi-satellites.

ويبلغ قطره ما بين 40 و100 متر فقط، وينتمي إلى مجموعة كويكبات "أبولو" القريبة من الأرض، ويستغرق نحو 45 عاماً لإكمال نمطه المداري المميز الذي يجعله يبدو وكأنه لا يفارق كوكبنا.

لغز عمره سنوات وربما قطعة من القمر

منذ اكتشاف "كامو أوايوا" عام 2016 عبر المراصد الفلكية، أصبح واحداً من أكثر الأجسام السماوية إثارة للاهتمام.

ويعتقد عدد من الباحثين أن هذا الكويكب قد لا يكون مجرد صخرة فضائية عادية، بل ربما يكون في الأصل جزءاً من القمر انفصل عنه قبل آلاف أو ملايين السنين نتيجة اصطدام كويكب ضخم بسطحه.

ورغم أن الرصد التلسكوبي قدم مؤشرات تدعم هذه الفرضية، فإن الدليل الحاسم لا يزال مفقوداً، وهو ما تسعى المهمة الصينية إلى توفيره لأول مرة.

مهمة تتجاوز التصوير إلى كشف الأسرار

لا تقتصر مهمة "تيان وين-2" على التقاط الصور، إذ تستعد المركبة لتنفيذ واحدة من أكثر مراحلها أهمية، وهي جمع عينات مباشرة من سطح الكويكب وإعادتها إلى الأرض.

وسيعمل العلماء على تحليل تركيب هذه العينات لمعرفة طبيعة الكويكب الحقيقية، وما إذا كان جسماً صلباً أم تجمعاً هشاً من الصخور والغبار، إضافة إلى البحث عن آثار للمياه أو المعادن والمواد القديمة التي احتفظ بها منذ تشكل النظام الشمسي.

كما قد تكشف العينات ما إذا كانت صخور الكويكب تحمل بالفعل بصمة جيولوجية تؤكد أنه جزء اقتُلع من القمر في زمن سحيق.

إنجاز يفتح نافذة جديدة على تاريخ النظام الشمسي

ترى الأوساط العلمية أن دراسة "كامو أوايوا" قد تقدم إجابات عن أسئلة تتجاوز هذا الكويكب نفسه، إذ يمكن أن تساعد في فهم كيفية انتقال الأجسام الصغيرة بين مدارات الكواكب، وتأثير الرياح الشمسية والاصطدامات الكونية في تشكيلها عبر مليارات السنين.

ويمثل نجاح المركبة في الوصول إلى هذا الجرم أحد أبرز الإنجازات الحديثة في مجال استكشاف الفضاء، خاصة أنه من أصغر الكويكبات التي تصل إليها مركبة فضائية حتى الآن.

الرحلة لم تنتهي بعد

بعد قضاء نحو تسعة أشهر بالقرب من "كامو أوايوا"، ستغادر "تيان وين-2" نحو محطة جديدة في رحلتها العلمية، حيث ستتوجه إلى المذنب 311P الواقع في حزام الكويكبات الرئيسي بعد مدار المريخ، وهو جرم يشتهر بذيله الغباري متعدد الأذرع، ويُعتقد أنه يحمل بدوره سجلاً مهماً عن بدايات النظام الشمسي.

كل صخرة تحمل قصة الكون

قد تبدو صخرة لا يتجاوز قطرها عشرات الأمتار جسماً عادياً في فضاء شاسع، لكنها بالنسبة للعلماء أشبه بكبسولة زمنية تحفظ بين ذراتها تاريخاً يمتد إلى مليارات السنين.

ولهذا، فإن كل صورة تلتقطها "تيان وين-2"، وكل عينة ستعود بها إلى الأرض، لا تمثل مجرد إنجاز تقني، بل خطوة جديدة لفهم أصول الكواكب، وكشف أسرار الجوار الكوني، وإعادة كتابة فصل جديد من قصة نشأة الأرض والنظام الشمسي بأكمله.